الكاتب محمد طاهر سيَّار الخميسي
بطل القصة: الفتى أسامة الشرعبي
إليك أيها الفتى العاشق والجذّاب، لقد سحرتَ تلك الفتاة الحسناء ببهائك السرمدي، بهندامك، وبملابسك التعزية الراقية، وباحتشامك في المعوز الكُحلي المشحوط حتى الركب.
لم يلفت انتباهها أحدٌ من الذين كانوا حولك؛ فهي لم تكترث لأي منهم، لأنها كانت ترى فيهم إناثًا مثيلات لها… لا رجالًا.
كانت تنظر إليهم وهم يرتدون بناطيل ضيّقة موضة السفهاء، وفي أيديهم إكسسوارات أنثوية! يا للأسف…
لقد كان قلبها مشمئزًا، ومتقززًا من هذا المنظر السخيف والبليد.
لقد عكّروا صفوها، وأزعجوا مزاجها…إنهم سفهاء السوق المتجولون.
كانت تشعر بضيق في التنفس، كأنهم يزاحمونها حتى في أنوثتها. ولم تجد فيهم أي ملامح للرجولة…سواك، أنت أيها الفتى الشرعبي.
كانت تنظر إلى حديثك الرجولي، وتستمع لفصاحة لسانك العطرة، ونطقك الشفوي الجزل البليغ بالإثارة.
كلامك كان يلامس قلبها ويملؤه حبًّا وعشقًا عابرًا حد السماء…بنظراتك القاتلة بالعشق.
كنتما تنظران إلى بعضكما، وأنا الكاتب السيَّار كنت ثالثكما لا الشيطان.
كنت أراقب نظراتكما الفاتكة، اللامعة، كسيوفٍ تسبق المعركة، وكنتما تتنازلان في ساحة ميدان القتال العنيف.
كنت أشاهدكما بصمت، وبابتسامةٍ عابرة، بلطف واحترام، لأني لا أغبط العشّاق الشرفاء النبلاء، ولا أحسدهم، بل أقتبس منهم وأطوّر من موهبتي في الكتابة عنهم.
رأيتكما، كأنني أقرأ رواية أو أشاهد مسلسلًا دراميًا بطلاه عاشقان.
كانت تلك النظرات بداية حبكة القصة، التي أبدع كاتبُها أن يبدأ لقاء البطلين العاشقين في أول مشهد درامي، وفي الحلقة الأولى، من أول موسم الشتاء إلى نهاية الجزء الأول من العشق.
كنت أشاهدكما، وكأن كُلًا منكما يريد أن يُعانق الآخر عناقًا جنونيًا، بكل لهفةٍ وعطش.
هي كانت تقترب منك أكثر، وتلتمس بأناملها ذلك الجاكيت الشتوي، وتسألك عن قيمته…
لكنك لم تضع له سعرًا رقميًا، بل كان ثمنه تلك العينان الواسعتان، اللتان تنظران إليك بكل حبٍ وشغف…أكثر من حاجتها للملابس الشتوية التي تبيعها.
لاحظتُ منذ وقوفها بجانبك أنها كانت تبحث عن شيءٍ جميل لتشتريه: من محلات الأقمشة، والمفروشات…تتفتّش عن شيءٍ يروق لها، شيءٍ يدفئ لها جسدها.
فلم تجد شيئًا يُناسبها…فوجدتك أنت، أيها الفتى الشرعبي العاشق الثمل، حين رأَتك وهي تتأمل في جمالها،
وتنظر إلى عينيها السوداوين، الساحرتين، القاتلتين، الفاتكتين… بك وبقلبك.
كانت عيناها تلمعان بالدموع، تبتسم ابتسامة خفيفة، وتضحك ضحكةً خافتة.
كانت تريد أن تقترب منك أكثر، أن تشعر بدفء جسدك، أن تنسى برد الشتاء، وتشعر بحرارة حبك.
وأنت أيضًا كنت تريد أن تقترب منها، أن تنسى كلّ شيء، وتشعر بحرارة حبّها.
تلك اللحظة… كانت اللحظة التي غيّرت كلّ شيء. اللحظة التي جمعت بينكما، وجعلتكما تدركان أنكما خُلقتما لبعضكما.
اللحظة التي جعلتكما تشعران بالحب…وتُدركان أن هذا هو الحب الحقيقي.
لقد قرأتُ في عينيها أنها كانت تقول في نفسها: هذا هو الدفء؟ هذا هو الفتى؟ الذي كنت أبحث عنه قبل مجيء الشتاء!
فكانت تعضّ على أناملها عَضاتٍ شديدة، حتى كادت تجهش بالبكاء، من فرط تقطيعها لأصابعها صبرًا وتجلّدًا.
لقد تكحّلت عيناها بك حدّ الثمالة، وتكلّحت عيناك بها حدّ الجنون…عليك أن لا تفتك بقلبها…
وأن لا تفلتها من بين يديك…أقبض عليها بقوة، وأمسك بها…فهي ليست جمرةً على قلبك، بل كانت بردًا وسلامًا… يا أسامة.
![]()
