الكاتبة زينب إبراهيم
الاختيار الصائب ينجي صاحبه، والخطأ قد يهلكه بقية حياته.
لذلك، يلجأ المرء إلى الاستخارة؛ يطلب من الله أن يرشده لما فيه خير، لينجو من العواقب الوخيمة التي قد يتعرض لها لاحقًا.
الفتاة: أمي، ما الذي يحدث بالخارج؟
الأم: إنه خطيب يا ابنتي… لعل وجهكِ يبتسم قليلاً.
الفتاة: كيف له أن يبتسم بفرحة زواج، وهو لم يرَ شريكته فيه؟
الأم: تحشّمي يا فتاة، لن يوافق عليه والدكِ إلا إن كان خيرًا.
الفتاة: الخِيَرةُ فيما اختاره الله يا أمي… لا أبي.
الأم: اذهبي لتحضير العصير لزوجكِ.
الفتاة: يا إلهي، هل وافق أبي ليكون زوجي؟
الأم: قلت لكِ، إن رآه والدكِ مناسبًا، فستتم الزيجة على بركة الله.
الفتاة في نفسها:
حتى الرؤية الشرعية غائبة، لا صلاة استخارة، ولا اختيار لي.
العيش الصالح لا أفهمه، لأن الحق في الانتقاء لوالدي وحده.
إن دُثرتُ تحت التراب خير لي من حياةٍ كهذه.
الأم: ما لي أراكِ ساهمةً هكذا؟ أين العصير؟
الفتاة باقتضاب: ليكن شربات إذًا، يا أمي.
دخل والدها، وعلى وجهه ابتسامةٌ تنير ثغره:
هيا يا أمّ العروس، حضّروا الشربات للعريس!
الفتاة بابتسامةٍ مهشّمة: ألم أقل لكِ، أماه؟!
الأم: ألا يحق لابنتكِ أن ترى الخاطب مرة على الأقل؟
الأب: هل جننتِ؟ إنه رجلٌ ذو جاهٍ وخُلق، لن أجد خيرًا منه لابنتي الوحيدة!
الفتاة: تفضّل، أبي، إني ذاهبةٌ للنوم… تصبحون على خير.
الأم: هل من المعقول أن تنام فتاةٌ تقرأ فتحتها؟
الفتاة: ما بال تلك البسمة والسعادة يا أمي؟ أصبح عريسًا، وبعد فترة نتزوج ونعيش حياة هانئة! إنه ذو جاهٍ وخُلق، لكن كيف عَلِم والدي بخلقه؟ ألم يُغرِه المال، الذي لا يجلب الراحة ولا الاستقرار؟
الأم: والدكِ لا يُغتر بزهو المال، لا تنطلي عليه المظاهر.
الفتاة: والدتي العزيزة… أيقظيني ليلة عرسي.
بعد فترة، أُقيم الزفاف.
لكن الزواج كان بوابة تعاسة؛ غرورٌ، وتسلّطٌ، وكأنه اشترى فتاة يحق له إهانتها. لا يراعي الله فيها، يمنعها عن أهلها، وكل طلب يُجاب بكلمة واحدة: “لا”.
“أنا الرجل هنا”، يقول، “ولا يحق لكِ التدخّل في أيّ شؤون!”
كان يضربها، وإن اشتكت لوالدها في زيارةٍ نادرة، يتفاقم العذاب.
الهواجس التي كانت تخشاها… حدثت بالفعل.
حين سأل والدها عن زيارتها، رد الزوج كالمعتاد:
إنها مريضة، لا تقدر على الحضور.
*الفتاة في غرفتها، تحدث نفسها بألم:*
منذ زواجي وأنا مريضة؟
يا لك من لعين!
لو لم أستسلم لضغطهم، لكنت الآن بينهم!
الزوج: قومي، أريد الطعام، إني جائع.
أومأت له بصمت، فكل كلمةٍ قد تفتح بوابة مشاكلٍ جديدة.
الزوج: الطعام مالح! ألا تملكين لسانًا لتتذوقي؟
الفتاة لنفسها:
تذوّقته قبل تقديمه، لكن لو قلت ذلك سيقلب الطاولة عليّ!
الزوج: ألا أحدثكِ يا صمّاء؟
الفتاة: لست كذلك، لقد تذوّقته قبل إحضاره.
الزوج (بحدة): هذا يعني أنني أكذب؟ أو مجنونٌ يتهيّأ لي؟
الفتاة: لم أقل ذلك، فقط أُجيب على كلامك.
الزوج: طلبت منكِ ألا تردّي أو توضّحي.
الفتاة: حسنًا، لن أفعلها مجددًا. فقط لا تضربني.
الزوج: إلى غرفتكِ، سأنهي طعامي أولًا، ثم أفكّر بعقابكِ.
جلست على الأريكة تحتضن نفسها بذعرٍ، تتذكّر أيامها بين أهلها… كم كانت أيامًا لا تُعوّض.
الزوج: هذا ليس وقت نوم، يا حبيبتي.
الفتاة: ماذا تُريد الآن؟
الزوج: تذهبين إلى والدتي، وهناك ستعلمين.
الفتاة لنفسها:
أعلم عقابي الآن… شقاءٌ حتى آخر النهار.
الزوج: ألم تسمعي الكلام يا صمّاء؟
الفتاة: متى أعود؟
الزوج: حين تخبركِ والدتي.
بدّلت ملابسها سريعًا، ذاهبةً نحو مصيرٍ مليء بالعناء.
الزوج: عدتِ مبكرًا.
الفتاة: انتهيت، وهي خلدت للنوم.
الزوج: حضّري القهوة قبل العشاء.
الفتاة: ألم تتناوله عند أمك؟
الزوج: اشتهيته الآن، ولن أتنازل عما أُريد، أنا حرّ.
الفتاة: بالطبع، حتى وإن لم أرغب.
الزوج: أحسنتِ… أريني مهارتكِ.
الفتاة لنفسها:
كُسِرَ ظهري، أرهقت، فأين التكاسل؟!
الزوج: انتظري، سأتناولها قبل أن تنامي…
الفتاة: هذا أفضل… لينام “نوم الظالم عبادة”، حتى لا أظل أعمل طوال الليل.
الانتقاء في أمور الحياة لا يُقاس بالمصلحة أو المال.
كم من شخصٍ يظهر بالصلاح والروعة، فلا تُكشف حقيقته إلا بمرور الزمن، حيث يغلب الطبع على التطبّع.
ليت الميثاق يُطبَّق كما شرعه الله، لا كما يمليه العُرف والتقاليد…
فما أكثر من يُحاسَب على عرفٍ، وينسى أصل الدين!
﴿يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون * إلّا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم﴾ الشعراء: 89
من لا يظلم نفسه، ولا يأكل حقوق الآخرين، ولا يُغتاب الناس بما حرم الله.
![]()
