كتبت: ملاك عاطف
من بين جدران الخيام المرصّعة بالفقر والوهن، تطلّ طفولةٌ محنّكةٌ بالفذاذة والفطنة، بعنقِ قوّةٍ يشرئبُّ حتى يطول قمم عدسات كاميرات الصحفيين، فتُناديها؛ كي توثّق أحاديث طفلٍ استطاع أن يحمي براءته من عنجهية الحرب، وأن يغمرها بوعيٍ لم يكن عقله الصغير ليبلغه لولا اندلاع طوفان الأقصى.
سعيد، رجلٌ صغير لم يتجاوز عقده الأول، يحمل في غرف فكره كرّاساتٍ ما كان ليحملها لو ظلّ يرتاد مدرسته، ويكتب بأقلامٍ لم يكن ليضمّها بين أصابع نضجه لولا خطواته اللامعدودة، التي عبّد بها دروب الأسواق والتكيّات.
بنبرته الناعمة الحالمة، يروي سعيد للصحفي حكاية حلمٍ طويلٍ أحالته شريعة الحرب الظالمة من حقٍّ إلى رجاءٍ بعيد المنال، ويقرأ عليه قصص الطوابير المسطّرة في كرّاسات عناءٍ يعيشه كلّ يومٍ تحت شوب الشمس. ثم يكتب قائمة أسعارٍ طويلةٍ بحبر الوعي المحنّى بثقل المسؤوليّة، يكتبها كأنّه يرسم خريطة حياة النزوح، كأنّه يكتب معلّقاتٍ من قصيد الألم، لتنتظر معه من يعلّقها على أستار الأمل القاطن في هدنةٍ مؤجّلة. يكتبها دون أن يتذمّر، كأنّها أبجديّةُ صبرٍ نسخها على صفحات أيّامه؛ خوفًا عليها من محوٍ على سبّورة الحاضر.
ويملك سعيد ذاكرتين فوق ذاكرته: واحدةً تخزّن تفاصيل الشقاء المحتّم، وأخرى تحفظ عناوين مآسي بني وطنه. لأنّه يوقن، وهو ابن الثامنة ربّما، أنّه صوت كلّ أقرانه، وأنّ طلاقة لسانه الممغنطة لن تكفّ عن جذب المايكروفونات إلى حناجر الحقيقة التي تحيا في براعم مقتبل عمره.
![]()
