الكاتبة منال ربيعي
أطوف في أحلامي دومًا، في مدن صخرية صامتة، كأنها أُقيمت في قلب الزمن ونُسيت.
أهلها نحتوا بيوتهم في الصخر القاسي، وجوههم جامدة، غبار الزمن مرسوم فوق الملامح،
وعيونهم كأنها نُزعت منها الحياة، معلّقة في نواصيهم، خالية من النور.
يسيرون بلا صوت، بلا هدف، بلا تساؤل، كأنهم ماضون لقيامتهم، في صمتٍ آلي لا يحمل من الحياة إلا الجسد.
أدور بينهم، تائهة، لا أعرف أين ولا كيف أتيت. لا أحد يفهم لغتي، ومنطقي غريب عنهم.
تسير أقدامي على حجارة مدينتهم، وأنا أبحث عن معنى، عن ملامح، عن إشارة.
لا مساجد في الطريق، ولا كنائس، كأن الصحف المقدسة قد رُفعت، وكأن الكلمة قد صمتت إلى الأبد.
وقلبي، قلبي يبكي. يريد العودة، لكن… إلى أين؟
في الماضي كنت أريد العودة إلى حضن أمي وأبي حين كنت صغيرة.
أما الآن، فقد بتُّ أطوف البلدان، أصعد الجبال، وأهبط الوديان. تتغبّر قدماي وأنا أسير، ولا أعرف أين، ولا كيف، ولا إلى متى؟
لماذا أبحث عن الطريق في بيوت لا أعرفها؟ في مدن لا تشبهني؟
أدخل حقولًا مهجورة، أقطف ثمارًا لا أعرف طعمها، كأنني أختبر الغربة حتى في ما أتناول.
وفي النهاية، أجلس.
أنتبه: شعري مبعثر، لا أنتعل حذاء، لا أحمل حقيبة، ولا أملك نقودًا.
أنظر إلى السماء، وأبكي.
وحينها فقط، تبدأ رموز التيه بالتفكك.
أُبصر الطريق، كأن بوصلتي كانت معلقة في السماء، لا في الأرض الغابرة، ولا في مبانيها الفانية.
حين كبرت، صرت أبحث عن ابنتي. أبحث عنها، كأنني ألهث خلف طفولتي، تلك التي ماتت في خوفٍ مزمن، وفي ركضٍ مرير خلف اللاشيء.
أنا أضل الطريق حين أنظر إلى الأرض.
وأجده… حين أرفع رأسي إلى السماء.
كان الطريق هو أنا.
وكان الوصول في الوصال.
والمعرفة لم تكن يومًا في الأبنية، بل في الإيمان.
![]()
