شعر : منير الدايري
لم يكن لؤي من أولئك الذين يولدون وفي فمهم ملعقة من ذهب. بل وُلد في حيّ شعبيّ مكتظ، حيث يُقاس الشرف بالصبر، ويُقاس الرجولة بالقدرة على الاحتمال.
كان أبوه خبازًا بسيطًا، وأمه تبيع الخبز اليابس في السوق.
وفي المدرسة، كان لؤي دائمًا يجلس في الخلف، لا لأن عقله أقل، بل لأن ثيابه القديمة كانت تُثير السخرية، وكان يكره أن يُرى.
لم يكن له أصدقاء كثيرون. لكنه كان يحمل في داخله شيئًا لم يره أحد: صوتًا يقول له دائمًا: “اصبر… هذا ليس كل شيء”.
عندما أصبح الصمت قوّة
كبر لؤي، واختار أن لا يتكلم كثيرًا.
في الجامعة، كان لا يشارك في المهاترات، ولا يردّ الشتيمة بمثلها.
قال له أحدهم يومًا ساخرًا:
– “أنت ضعيف، لا تردّ على أحد!”
فاكتفى لؤي بنظرة صامتة، فيها من الثقة ما أطفأ سخرية الرجل.
تعلم أن الصمت ليس ضعفًا… بل هو اختيار.
أن لا تردّ لأنك أقوى مما يظنون، لا أضعف.
المكر حوله… لكنه لم ينكسر
حين بدأ أول عمل له في مكتب صغير، كان يعلم أن بعض الزملاء يكرهونه.
كانوا يحاولون إيذاءه بالهمس، وبالتقارير الكاذبة، وبنشر الشائعات.
لكنه لم يكن يرد.
كان يأتي كل صباح بابتسامة بسيطة، ويشتغل بضمير، حتى عندما كانوا يخفون أوراقه، أو ينسبون عمله لأنفسهم.
وحين سُئل مرةً:
– “كيف تحتمل كل هذا الظلم؟”
أجاب بهدوء:
– “أنا لا أُقاتلهم… أنا أُقاتل نفسي إن فكّرت في أن أُشبههم.”
السقوط الأول… والصعود الصامت
تعرض ذات يوم لمكيدة كادت أن تُفقده وظيفته.
أُقصي، وتشمت فيه من كان يبتسم في وجهه.
عاد إلى البيت، جلس أمام مرآته القديمة، وبكى.
ثم مسح دمعته، وقال بصوت خافت:
– “كل هذا اختبار… وأنا لن أسقط”.
لم يطلب من أحد شيئًا.
بدأ من جديد، يعمل في المساء، ويتعلم في الصباح.
تدرّج، فنجح، وفتح مشروعه الخاص.
واليوم، بات له اسمه، ومكانته.
لكنه لم ينسَ تلك الأيام.
ولا أولئك الذين كادوا له.
ولم ينتقم منهم… بل دعا لهم في سره، ومضى.
رجل يُشبه ذاته
كان يُشبه ذاته أكثر مما يُشبه الآخرين.
لم يصرخ، لم يتباهَ، لم يردّ الإساءة بالإساءة.
كان يسير بخطى بطيئة، لكن بثبات.
في عينيه هدوء من عرف الألم، وفي صمته حكمة من لم يسمح للمرارة أن تسكن قلبه.
لم يكن بطلًا في فيلم، ولا بطلاً على صفحات المجلات…
لكنه بطل في حكاية ذاته.
شابٌ لم يركع، ولم يُساوم، ولم يُشبه الكائدين، لأنه آمن أن القوة ليست في الردّ، بل في الترفع.
![]()
