كتب: منير الدايري
في زمن الوجبات السريعة والمعلومة الأسرع، أصبح تطبيق تيك توك أكثر من مجرّد منصة للترفيه، بل تحوّل إلى “موسوعة سريعة” يتناقل فيها المؤثرون نصائح في شتى المجالات: من الصحة والتغذية إلى المال والتجارة وتطوير الذات.
لكن السؤال الذي لا يُطرح بما يكفي: هل كل ما يُقال هناك يمكن الوثوق به؟ أو بمعنى أدق: هل TikTok يقدّم المعرفة… أم يُضلّل بها؟
المعرفة المختزلة: نصف المعلومة أخطر من الجهل
من أبرز الإشكالات في نصائح تيك توك أنها تأتي غالبًا في مقاطع لا تتجاوز 60 ثانية، وفي هذه الثواني القليلة تُختزل تعقيدات علم النفس أو الاقتصاد أو حتى الطبّ إلى “5 خطوات سحرية” أو “3 أسرار لن يخبرك بها أحد”.
ورغم أن هذه الصيغ مثيرة وتُغري بالمشاهدة، إلا أنها تميل إلى التبسيط المخلّ، وتفتقد للسياق العلمي، أو للدليل، أو حتى للتجربة الكافية.
مثال:
نصائح مثل “اشرب الماء والليمون صباحًا لتحرق الدهون” أو “استيقظ على الساعة الخامسة صباحًا وستصبح مليونيرًا” تنتشر بشكل فيروسي، بينما يتجاهل أصحابها أن الجسم البشري أو النجاح المالي أعقد بكثير من مجرد عادة يومية.
من المؤثر إلى المُتأثِّر: صناعة الثقة المزيفة
من بين أكثر الأمور خطورة في تيك توك هو أن “المؤثر” يُقدَّم على أنه خبير، لا لشيء سوى لأنه يمتلك عدداً كبيراً من المتابعين.
المشكلة؟
أن هذا العدد يُولد وهمًا اسمه: الثقة الاجتماعية. ومع الوقت، يصبح من الصعب على المتابع أن يُشكك في محتوى يبدو واثقًا، حتى لو افتقد لأي مرجع أو مصداقية علمية.
الأسوأ؟ أن البعض بدأ يعتمد على نصائح “تيك توكرز” في اتخاذ قرارات مهمة، كاختيار تخصص جامعي، أو بدء مشروع، أو تغيير نمط الحياة الغذائي… دون أدنى استشارة من مختصّين حقيقيين.
نصائح قد تضر أكثر مما تنفع
ماذا لو أخبرك أحدهم في تيك توك أن “كل ما تحتاجه لعلاج القلق هو التوقف عن التفكير”؟
أو أن “الاكتئاب سببه قلة الرياضة فقط”؟
مثل هذه العبارات منتشرة بكثافة، وهي ليست خاطئة فقط، بل مؤذية أيضًا، لأنها تُحوّل أمراضًا معقدة إلى مشاكل سلوكية بسيطة، وتُلقي باللوم على الضحية بدل النظام الصحي أو النفسي.
الأمر نفسه ينطبق على نصائح “الثراء السريع”، و”حيل الذكاء المالي” التي تُسوَّق بشكل فجّ، وتخلق أوهامًا عن قدرة أي شخص على جني آلاف الدولارات من دون جهد، فقط عبر خطوات سحرية تم تصويرها في غرفة نوم بأضواء نيون!
كيف تميّز المعلومة الجادة من المضللة على تيك توك؟
ليست كل نصيحة على تيك توك سيئة، لكنك بحاجة إلى فلتر ذهني يُغربل الغث من السمين. إليك بعض القواعد البسيطة:
إذا كانت النصيحة تبدو سهلة جدًا أو “سحرية”، فغالبًا هي مضللة.
تحقق من هوية من يعطي النصيحة: هل هو مختص؟ هل يذكر مصادره؟
ابتعد عن أي محتوى يستخدم عبارات مثل “لن يخبرك أحد”، “سر خفي”، “معلومة لن تتوقعها” دون دليل واضح.
لا تتخذ قرارات مصيرية بناء على فيديوهات قصيرة.خذ ما يفيد، لكن لا تستهلك بلا وعي.
خلاصة المقال
تيك توك أداة قوية، لكنها في يد غير مؤهلة تتحول إلى آلة لإنتاج المغالطات.
المشكلة ليست في المنصة، بل في طريقة استخدامها، وفي عقلية المستخدم الذي يجب أن يتدرّب على الشكّ الذكي والتحقق النقدي، بدل أن يتبنى كل ما يُعرض عليه من نصائح مغلفة بصوت جذاب ومونتاج احترافي.
في النهاية، تذكّر:
ليست كل “نصيحة” تستحق أن تُطبّق… بعضها مجرد “محتوى” مصمم ليحصد الإعجابات لا ليغيّر حياتك.
![]()
