...
Whatsapp image 2025 08 09 at 1.40.10 am (1)

بقلم: محمد حسن

في مشهد إعلامي يعج بالفوضى والتشويش، حيث تتقافز الأخبار كأمواج متلاطمة، يظل صوت فاطمة أبوجلاب عاليًا وواضحًا، نبراسًا يضيء دروب الحقيقة في زحام الغموض. ليست فاطمة مجرد إعلامية أو صحفية أو معلقة صوتية عابرة، بل هي أيقونة للصدق والإخلاص، وإنسانة جعلت من الكلمة عهدًا لا ينكسر، ورسالة ترفض أن تُحوَّل إلى سلعة رخيصة تُباع وتُشترى.

ولدت فاطمة في رحم الكلمات، تنفست أدبًا ونهلت من معين عظماء الفكر مثل الرافعي ومصطفى كامل، فصقلت روحها وشحذت قلميّتها بمزيج من الشغف والإصرار. قبل خمس سنوات، شرعت في رحلة الصحافة بتفانٍ قلّ نظيره، ماضية على درب التميز المهني، مدربة وقائدة لكل من آمن بأن الصحافة ليست مهنة ترفيه أو تسلية، بل أمانة ثقيلة على الأكتاف.

تُشدّد فاطمة على أن الصحافة اليوم تواجه اختبارًا وجوديًا، في ظل تدفق ضخم للأخبار المزيفة والأنباء المغلوطة التي تحاول طمس الحقيقة، لكنها باقية كالصخرة في وجه هذا التيار، متشبثة بمبادئها التي تعلمها وعلّمتها. الصحافة في عينيها ليست سباقًا وراء عناوين براقة، بل فنٌّ دقيق يتطلب شجاعة، وضميرًا حيًا، وقدرة على نقل الواقع بصدق دون تزويق أو تحريف.

مسيرتها المهنية حافلة باللحظات التي صنعت الفرق، بدءًا من حوارها المميز مع الفنان القدير محمد صبحي، مرورًا بتغطيتها الحية لمعبر رفح في العريش، حيث أظهرت للعالم الوجه الإنساني لمصر وشعبها، وتجاوزت حدود الخبر لتلامس وجدان المتلقي برسالة تضامن وأخوة.

لم تكتفِ بالكلمة المكتوبة، بل امتدت رحلتها إلى عالم الشاشة، مقدمةً برامج اجتماعية تنبض بقضايا الناس وهمومهم، حيث أبدعت في برنامج “دوشة” و”مشكلتي” عبر قنوات متعددة، متحفية بحلمها الدائم: برنامج أطفال ينشئ جيلاً واعيًا قادرًا على فهم ذاته وعالمه، ويمنحه مساحة آمنة وسط ضجيج الإعلام السائد.

وعندما دخلت عالم التعليق الصوتي، لم يكن الأمر مجرد صدفة، بل رسالة أخرى حية من نبل الروح، حيث تطوعت لتسجيل مواد دراسية للمكفوفين، فكسرت حاجز الصمت، وأطلقت صوتها في فضاءات الإعلانات والفنون، لتؤكد أن الصوت يحمل في طياته قوة تأثير لا تقل عن الحرف المكتوب.

رسالتها للشباب في الإعلام تفيض حكمة وتجربة، إذ تحثهم على التمسك بالصدق والضمير، مؤكدة أن الكلمة ليست مجرد وسيلة، بل أمانة ومسؤولية ثقيلة، ومن يفرط بها يخسر ذاته قبل أن يخسر مهنته.

فاطمة أبوجلاب ليست مجرد اسم، بل هي مدرسة في الصحافة، ودعوة لكل من يريد أن يحترف المهنة أن يختار درب الحقيقة دون تردد، ويضع يده بيد الأمانة مهما عصفت به رياح الفساد والسطحية. في زمن تاهت فيه القيم، تظل فاطمة نبراسًا يُذكرنا بأن الإعلام الحقيقي هو الصوت الذي يبقى حيًا في الضمير، ويزرع بذور الأمل في قلوب المتلقين، ويصنع الفارق الحقيقي الذي يغير مجتمعات بأكملها.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *