...

الخذلان

أغسطس 11, 2025
Img ٢٠٢٥٠٨١١ ١١٠٩١١

الكاتبة مريم نصر 

الخذلان شعور يثقل القلب ويُربك الروح، لأنه يأتي غالبًا من أقرب الناس إلينا، ممن وثقنا بهم واعتقدنا أنهم سندنا في لحظات الضعف. هو ليس مجرد خيبة أمل عابرة، بل جرح صامت يُحدث شرخًا في داخلنا، يجعلنا نعيد النظر في كل كلمة صدقناها، وكل وعد آمنا به، وكل موقف ظننا أنه سيبقى ثابتًا.
قد يأتي الخذلان في صورة صديق تخلّى عنا وقت الحاجة، أو حبيب لم يفِ بوعوده، أو قريب أدار ظهره حين كنا ننتظر حضوره. وأكثر ما يؤلم فيه أنه لا يأتي من غريب، بل من شخص منحناه قلبنا بلا شروط، وآمنا به إلى الحد الذي جعلنا لا نتخيل الحياة من دونه.
الخذلان يجعلنا نشعر أن الأرض التي كنا نقف عليها لم تكن صلبة كما اعتقدنا، وأن الأمان الذي شعرنا به لم يكن إلا وهمًا. هو شعور يترك أثره في نظرتنا للحياة، وقدرتنا على الثقة، وحتى في طريقة تعاملنا مع الآخرين. أحيانًا يغيرنا الخذلان للأبد، فنصبح أكثر تحفظًا، ونضع حدودًا بيننا وبين الناس، حتى لا نُجرَح بنفس الطريقة مرة أخرى.
ومع ذلك، قد يكون الخذلان معلمًا قاسيًا لكنه صادق. فهو يُرينا الحقيقة التي كنا نغض الطرف عنها، ويكشف لنا وجوهًا لم نكن نعرفها. يعلمنا أن الثقة هدية ثمينة لا تُمنح بسهولة، وأن الأفعال دائمًا أصدق من الأقوال.
قد يجعلنا الخذلان أكثر حذرًا وربما أكثر قسوة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام بناء ذات أقوى، قلب يعرف قيمته ولا يقبل بأقل مما يستحق. وبعد كل خذلان، هناك فرصة للتعافي، وإعادة ترتيب حياتنا، واختيار من يستحق البقاء، ومن يجب أن يُترك خلفنا بلا ندم أو عودة.
فمهما كان الخذلان مؤلمًا، فإنه يذكّرنا دائمًا أن الاعتماد الحقيقي يجب أن يكون أولًا على أنفسنا، وأننا قادرون على النهوض حتى بعد أقسى السقطات.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *