...
237a87748e24f5e29f0be054d1fe8213

الكاتبة منال ربيعي 

منذ آلاف السنين، كانت مصر وآشور قوتين عظيمتين تشكلان ملامح العالم القديم، لكن أثرهما لم يذُب مع مرور القرون، بل بقي ينساب في حياتنا المعاصرة دون أن نشعر.
هذه الحضارات لم تترك لنا حجارة صامتة فحسب، بل بثّت في وعينا أفكارًا ورموزًا وأسلوبًا في النظر إلى العالم، ما زلنا نمارسه اليوم، ولو بملابس وأسماء مختلفة.

من مصر، ورثنا مفهوم العدالة الكونية “ماعت”، الذي أصبح أساس القوانين والأخلاق في حضارات لاحقة.
ورثنا منها أيضًا طقوسًا ما زلنا نكررها، مثل الاحتفال ببداية العام في وقت التجدد الطبيعي، تمامًا كما كان المصريون يحتفلون بفيضان النيل كبشارة بالخصب والحياة.
بل حتى خاتم الزواج الدائري الذي نضعه اليوم، هو امتداد لرمز مصري قديم للحب الأبدي، يوضع في الإصبع الرابع اعتقادًا بوجود عرق يصل إلى القلب.

وفي قلب هذا الإرث، تبرز قصة حتشبسوت، الملكة التي حكمت مصر بثوب الرجال وتاج الملوك، لكنها حملت روح حتحور الأم الحانية.
كانت ترى في العدالة والنظام الكوني رسالة ملكية، فشيّدت المعابد لتقول للعالم: إن الحكم ليس قوة السيف فقط، بل قوة العدل والجمال معًا.
واليوم، حين نتحدث عن المرأة القادرة على القيادة بلا أن تفقد أنوثتها، فإننا نردد درسًا كتبته حتشبسوت على جدران معبدها بالدير البحري منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.

ومن مصر أيضًا، يسطع اسم رمسيس الثاني، الملك الذي أراد أن يحفر مجده في الصخر والزمن.
معابد أبو سمبل ليست مجرد حجارة منحوتة، بل رسالة سياسية وجمالية تقول: “هنا يقف ملك يحمي أرضه ويعانق الشمس”.
رمسيس فهم أن القوة تحتاج إلى صورة خالدة، وأن الفن يمكن أن يكون سلاحًا يردع الأعداء ويلهم الأجيال.

أما آشور، فقد منحت العالم إرثًا فنيًا وعسكريًا ومعماريًا لا يُقدّر بثمن.
فن النقش البارز على جدران القصور، الذي نقل بطولات الملوك وحمل رموز القوة، ألهم فنون الزخرفة والرسم الجداري لقرون لاحقة.
ومن بين تلك الملاحم، تبرز شخصية آشور بانيبال، الملك المثقف المحارب، الذي قاد الجيوش إلى النصر لكنه جمع أيضًا أكبر مكتبة في عصره، حافظةً آلاف الألواح الطينية عن العلوم والأساطير والقوانين.
إن فكرة أن الحاكم يجب أن يكون مثقفًا بقدر ما هو قوي، هي إرث آشوري ما زال يهمس في ضمير كل أمة تبحث عن قائدها المثالي.

وهناك أيضًا سنحاريب، الملك الذي جعل من نينوى مدينة تضاهي روائع العالم، ببساتين معلّقة وقنوات مياه مبتكرة.
كان يؤمن أن عظمة المملكة لا تُقاس فقط بحدودها العسكرية، بل بقدرتها على خلق بيئة مزدهرة لشعبها.
فكرة المدن المخططة والبنية التحتية المزدهرة التي نراها اليوم، تجد جذورها في طموحات سنحاريب العمرانية.

حتى الزخارف المتكررة في السجاد والمباني الحديثة تعود في جزء منها إلى الذوق الآشوري، الذي رأى في التكرار الهندسي رمزًا للخلود والنظام الكوني، تمامًا كما رآه المصريون في أعمدة معابد الكرنك حيث تتكرر زهرة اللوتس رمزًا للبعث.

مصر أعطت العالم فكرة الخلود من خلال فنونها ومعابدها وهرمها الأكبر، وآشور منحت العالم صورة القوة المنظمة التي تحمي ذلك الخلود.
وبين الجانبين، تشكلت جذور كثير من مفاهيمنا الحديثة عن السلطة، والجمال، والنظام، والحياة نفسها.

كيمت وآشور ليستا ماضياً منسيًّا، بل نبضٌ يجري في عروق الحاضر.
رمسيس الثاني في أبو سمبل، وحتشبسوت بين جبال طيبة، وسنحاريب في حدائق نينوى، وآشور بانيبال في مكتبة كلهم تركوا بصمة تتحدى الفناء.

هؤلاء الملوك لم يبنوا للحجر فقط، بل بنوا للفكرة، للحلم، للخلود.
ومن شمس النيل إلى نجوم دجلة، ورثنا القوة والجمال والنظام، فصرنا أبناء حضارتين عظيمتين تهمسان لنا أن المجد ليس فيما نملك، بل فيما نترك.

الحاضر مرآة الماضي، والمستقبل يولد من رمادهما.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *