الكاتبة منال ربيعي
في تلك الليلة، لم أنم.
كان وجهي الذي رأيته في المرآة لا يغادرني،
والكلمات التي قالتها المرأة صارت كأنها مفاتيح تُفتح وحدها، دون أن أدري ما الأبواب.
جلستُ في غرفة لم أدخلها من قبل داخل البيت.
غرفة لا نافذة لها… فقط جدارٌ مغطّى بمرايا معتمة.
وفي وسط الغرفة، وُضع كرسيّ من حجر، كأنني مدعوّة للجلوس أمام نفسي.
جلست.
وفجأة، ظهرت في إحدى المرايا صورة لامرأة تشبهني…
لكنها أقدم، أعمق، كأنها خرجت من ذاكرة لم أكتبها.
كانت تحدّق فيّ، لا بل تتذكّرني.
قالت لي بصوتٍ لم أسمعه بأذني، بل سمعته في نخاع روحي:
“أنا المرأة التي نسيتها كي تكملي الطريق…
أنا التي بَكَتْ حين تخلّيتِ، وفرحت حين قُمتِ.”
أردتُ أن أبكي، لكنها ابتسمت.
ثم همست:
“البيت لا ينتظرك فقط… بل يعيدك إلى ما كنتِ عليه قبل أن تُخذلي.”
وفي اللحظة التي اختفت فيها،
انفتحت نافذة في الجدار لم تكن موجودة،
ودخل نور أزرق، لم يكن من الشمس،
بل من شيء يشبه الغفران.
في تلك اللحظة، عرفتُ:
أنا لا أبحث عن بيت أسكنه… أنا أبحث عني.
حين جلست في بهو البيت، شعرت أن الجدران ليست صامتة كما بدت أول مرة، بل كانت تتنفس. الهواء كان دافئًا، لكن في عمقه برودة غامضة، كأن هناك أسرارًا تحت السطح تنتظر أن تُروى.
نظرت إلى الممر الطويل المؤدي إلى الداخل، ورأيت أبوابًا خشبية قديمة، بعضها مزخرف بنقوش مصرية قديمة، وبعضها بسيط لكنه يلمع كأنه صُقل للتو. لم أكن أعلم لماذا شعرت أن كل باب هو باب في قلبي، باب نحو ذكرى أو إحساس أو حلم لم أجرؤ على الاقتراب منه.
اقتربت من أول باب، وسمعت من ورائه صوت ماء يتدفق، مثل نهر صغير يسري بهدوء. حين فتحته، رأيت مشاهد من طفولتي، لحظات كنت أظن أنني نسيتها. كان الماء يجري بين الصور، يغسلها، ويعيد إليها ألوانها.
في الباب الثاني، وجدت مرآة ضخمة، لكن صورتي لم تكن أنا كما أنا الآن، بل امرأة ترتدي ثوبًا أبيض واسعًا، وعينيها تلمعان بنور غريب. مدت يدها إليّ، وكأنها تدعوني لأدخل عالمها.
أما الأبواب الباقية… فقد شعرت أنني لست مستعدة بعد لفتحها، لكنني أدركت شيئًا مهمًا: هذا البيت لم يكن مجرد مكان في حلمي، بل كان خارطة روحي، وكل غرفة فيه هي خطوة نحو الامتلاء.
أنا الآن على العتبة… وأعرف أن القادم أعظم.
توقفت أمام الباب الثالث طويلًا، ويدي معلقة على المقبض كأنها تنتظر إذنًا من قلبٍ أعمق مني. كان الباب مكسوًا بصفائح نحاسية خضرها الزمن، وفي منتصفه عين حديدية صغيرة تشبه عين حورس، تحدّق فيّ بثبات.
حين لامست المقبض، شعرت بحرارة مفاجئة تسري في جسدي، كأن النبض في عروقي صار يطرق على هذا الباب من الداخل. دفعته ببطء، فتنفّس المكان بنور ذهبي غمرني بالكامل.
وجدت نفسي في قاعة واسعة بلا جدران، سقفها سماء ليلية تتلألأ فيها نجوم تتحرك كما تشاء. في وسط القاعة مائدة حجرية دائرية، فوقها مخطوطات قديمة وأدوات نقش وأحجار كريمة بألوان لم أرها من قبل.
تقدّمت، فسمعت صوتًا يأتي من جهة المائدة:
“لقد وصلتِ… والآن حان وقت النذر.”
رفعت عيني، فإذا بامرأة مسنّة، وجهها مجدول بالتجاعيد مثل خطوط النيل على خريطة قديمة، وعيناها تسكنهما حكمة آلاف السنين. جلست إلى المائدة وأشارت إلى أحد المخطوطات. كان عليه اسمي مكتوبًا، لكن ليس بالخط الذي أعرفه، بل بحروف متشابكة، كل واحدة منها تنبض بضوء حيّ.
قالت:”هذا الباب الثالث لا يُفتح إلا مرة واحدة في العمر، وما ستختارينه الآن سيغيّر كل الأبواب التي تليه.”
في تلك اللحظة، أدركت أن رحلتي في البيت لم تكن بحثًا عن غرف، بل عن مفاتيح… مفاتيح نفسي.
![]()
