...
Img ٢٠٢٥٠٨١٧ ١٩٣٢٢٢

الكاتب المبدع حسين العلي 

ليست كل خطوةٍ إلى الوراء هزيمة، وليست كل مغادرةٍ دليل ضعف. أحيانًا، يكون الانسحاب من علاقةٍ مؤذية أشبه بإنقاذ روحٍ تُوشك أن تغرق، والابتعاد عن أماكن لا ترى فيك قيمتك أشبه بانتزاع نفسك من أرضٍ بور، بحثًا عن تربةٍ تحتمل أن تزهر فيها.

قد يظن البعض أن الرحيل قسوة، لكن الرحيل في الحقيقة فعل حبٍّ عميق حبٌّ للذات، وحمايةٌ للقلب، ووفاءٌ لنداءٍ داخلي يقول لك إنك تستحق أكثر. حين تنسحب من مكان لا يُنصِفك، أو من علاقة تُقزِّمك، فأنت في الواقع تقول: “أنا أستحق حياةً أبهى، ومساحةً أوسع للنبض”.

يظنّ كثيرون أن التراجع عن علاقة أو الابتعاد عن مكان اعتادوه نوعٌ من الهزيمة أو الفشل، غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالانسحاب من علاقة تُرهق الروح وتستنزف المشاعر ليس هزيمة، بل خطوة وعيّ وشجاعة. وكذلك الابتعاد عن بيئات لا تُقدّر قيمتك ولا تُنصف وجودك، ليس هروبًا بل انتصارًا للنفس وحمايةً للقلب.

العلاقات السامة لا تُدمّر القلب فحسب، بل تُربك الهوية، وتزرع الشك في قيمة الإنسان لذاته. ومن يستمر في علاقة كهذه بدافع الخوف من الوحدة أو ضغط المجتمع، يجد نفسه يتآكل ببطء. الانسحاب هنا لا يعني أنك ضعفت، بل أنك رفضت التضحية بسلامك الداخلي على مذبح الآخرين.

هناك أماكن وأجواء لا تمنحك سوى الانطفاء: بيئة عمل لا ترى فيك سوى رقم، أو دائرة اجتماعية تُقلل من شأنك، أو مجتمع مصغّر يَسلبك ثقتك بنفسك. الاستمرار في هذه البقاع أشبه بالعيش في صحراء قاحلة تنتظر منها الماء. بينما الابتعاد عنها يعني البحث عن أرض خصبة، مكان يُنبت فيك الطمأنينة ويُعطيك فرصة للنمو.

كثيرون يتصوّرون أن البقاء والصبر علامة قوة، لكن القوة الحقيقية في بعض الأحيان هي أن تعرف متى ترحل. أن تقول “كفى” حين يُصبح البقاء تنازلًا عن نفسك. أن تنحاز إلى قلبك، وتحميه من التصدّع، حتى لو كان الطريق بعد الانسحاب مليئًا بالوحدة المؤقتة أو الغموض.

 

حين تُغادر علاقة مؤذية أو بيئة خانقة، قد تشعر لأول وهلة بالفراغ والخسارة، لكن ما تكسبه أعظم: تستعيد صوتك الداخلي، وتهب نفسك فرصة لاكتشاف ذاتك من جديد، وتفتح الباب أمام علاقات أكثر صدقًا وأماكن أكثر رحمة. وهذا في جوهره أعظم مكسب يمكن للإنسان أن يحققه.

 

صحيح أن الانسحاب يترك خلفه فراغًا، لكنه فراغٌ يشبه الأرض التي ارتوت بالمطر للتوّ، تنتظر أن تنبت من جديد. الفراغ بداية، وليس نهاية. ومهما ظنّ القلب أنه خسر، فهو في الحقيقة ربح ذاته، وربح فرصةً للسلام، وربح وقتًا لم يكن ليحظى به لو ظلّ أسيرًا في دائرة لا تُنتج سوى الألم.

الانسحاب ليس فشلًا، والابتعاد ليس هروبًا. إنهما في الحقيقة قراران عميقان لحماية ما هو أثمن: كرامتك، وسلامك الداخلي، وقلبك. أن تختار نفسك لا يعني أنك أناني، بل يعني أنك تُدرك أن لا أحد سيحيا حياتك سواك.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *