...
Img 20250819 wa0012

الكاتبة سلمى أسامة علام

من سلسلة رحلة تعافٍ

 

كانت جيهان امرأةً في أواخر العشرينات، أمًّا لطفلين، وزوجةً لرجل يُدعى طاهر.

كانت حياتهم هادئة في أولى سنوات زواجهم، حتى أنجبت الطفل الثاني، بدأت حياتهم تتحول إلى جحيم.

بدأ طاهر يلاحظ أشياء غريبة على جيهان، وبدأت هي أيضًا تخبره بأنها تسمع أصواتًا غريبة، وأن أشخاصًا يتحدثون إليها، وأحيانًا يوقظونها من نومها ليخبروها أنها ليست أمًّا جيدة.

 

ظن أن كل هذا إرهاق واكتئاب ما بعد الولادة، وأخذ يهدّئها، ولكن الأمور كانت تسوء أكثر يومًا بعد يوم.

كانت جيهان أحيانًا تتهم زوجها بأنه يتآمر ضدها، وأنه يخفي عليها أسرارًا، وأنه يريد أن يقضي عليها.

وكانت تدخل في نوبات غضب غير مبررة، ثم تعود لتعتذر وهي تبكي.

 

طاهر كان يشعر بالعجز، يحبها ويريد مساعدتها، ولكنه لم يكن يعرف كيف يتعامل معها.

كانت جيهان أمًّا حنونة جدًا، تلعب وتغني لأولادها، وفي لحظات أخرى تنعزل في غرفتها وترفض الحديث معهم، وتعتقد أنهم جزء من المؤامرة.

بدأ الأطفال يخافون من أمهم، وبدأوا يحسّون أنها شخصان في جسد واحد.

 

وفي إحدى الليالي، كانت جيهان تُعدّ العشاء، بدأت تسمع صوتًا يقول لها: “أولادك في خطر، اقتليهم كي تحميهم، هم في خطر.”

توقفت فجأة وبدأت ترتجف.

دخل طاهر عليها المطبخ ليجدها واقفةً تحمل سكينًا وتنظر في الفراغ.

اقترب منها بهدوء، أخذ السكين من يدها، ثم احتضنها وقال: “لن أترككِ أبدًا، سوف نجد حلًّا.”

 

وفي اليوم التالي، أخذها إلى الطبيب النفسي، وبعد عدة جلسات، تم تشخيص جيهان بالفصام.

وأخذ الطبيب يشرح لطاهر عن طبيعة المرض، وأن هذا المرض يجعلها ترى أشياء وتسمع أصواتًا ليست موجودة في عالمنا، وأنها تعيش في عالمٍ منفصلٍ عنّا تمامًا، وأنها بحاجة إلى العلاج النفسي والدوائي، وأن الحالة تتطلب الجهد والصبر.

 

بدأت جيهان رحلة علاجها بأخذ الدواء المضاد للذهان لتخفيف الهلاوس والضلالات، وأيضًا العلاج السلوكي المعرفي الذي ساعدها على التمييز بين الواقع والخيال.

وتعلّم طاهر كيفية التعامل مع هذا المرض اللعين، وأصبح أكثر تفهّمًا لحالتها.

عندما تمرّ بنوبة غضب، كان يحتويها ويطمئنها بدلًا من أن يغضب منها.

كان يذكرها دائمًا أنه معها، وأنها ليست وحدها.

 

وبمرور الوقت، ومع العلاج والجلسات، بدأت جيهان تستعيد بعض الاستقرار في حياتها.

ولم يكن الأمر سهلًا، ولكنها وجدت الدعم طوال الوقت من زوجها وأولادها.

فالتعامل مع مرض الفصام يحتاج صبرًا وتفهّمًا ودعمًا مستمرًّا من العائلة، فالحب والدعم هما المفتاح لتجاوز الصعوبات.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *