الكاتب :محمود عبد الله
الخيانة مصطلح متداول بين الجميع: الرجال والنساء والأصدقاء، وتختلف تسميتها تبعًا للفئة التي تحدث فيها واقعة الخيانة.
قبل أن نتحدث عن الخيانة لا بد أن نحدد لها تعريفًا إجرائيًا مثلها مثل أي نوع من الخصائص والمفاهيم المنتشرة حاليًا والتي هي موضوع القياس أو النقاش.
في البداية لا بد أن نعرف أن الخيانة ذُكرت في القرآن الكريم على خمسة أوجه:
الأول: خيانة الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾.
الثاني: خيانة المال والنعمة: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
الثالث: خيانة الشرع والسنة: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾.
الرابع: بمعنى الزنا: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾.
الخامس: خيانة العهود والمواثيق: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾.
ذلك للتوضيح أن الخيانة تكون على أوجه كثيرة. وموضوعنا الأساسي خاص بالخيانة الزوجية.
فإذا أردنا تعريفها من خلال هذا الوجه:
الخيانة هي قيام أحد أطراف الزواج، سواء الرجل أو المرأة، بالإخلال بأحد الأمور المتفق عليها أثناء الزواج والتي تكون متفقًا عليها دينيًا واجتماعيًا، بصرف النظر عن نوع الخيانة.
وللخيانة بين الزوجين أشكال متعددة، وليست قاصرة على شيء واحد، فأي تعدٍ على أمر وارد في الشرع من حقوق الزوج أو الزوجة يعتبر خيانة.
وعند البحث عن أسباب ذلك، سيكون هناك تعدد في الأسباب أيضًا، وأقولها أسبابًا وليست مبررات، لأن الواقع الفعلي للقيام بالخيانة يحدث عندما يدرك أحد الطرفين شعوره بنقص في بعض الأشياء التي يحصل عليها من الطرف الآخر.
ولكن هنا أريد أن أقول إن إدراكنا لمفهوم الخيانة هو الذي يتحكم في كيفية شعورنا بأن من أمامنا يخون. ويرى جورج بيركلي، أحد فلاسفة المدرسة الترابطية في بريطانيا، أن الإدراك هو الحقيقة الأساسية المسؤولة عن الوجهة الذهنية لتفكير الفرد، وكل شخص على حسب إدراكه؛ فمنا من يرى في شيء قد حدث له خيرًا، ومنا من يرى نفس الشيء على أنه شر، وذلك لشكل وطبيعة إدراك الفرد.
فالزوجة في الآونة الأخيرة، عندما يتزوج الرجل بأخرى، تقول إن ذلك خيانة. كيف تكون خيانة وهو يفعل شيئًا قد أباحه الله في كتابه العزيز: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
وقد اختلف العلماء في الأصل في الزواج: هل هو التعدد أم الاقتصار على واحدة؟ ولكن الأكيد أن حكم التعدد هو الإباحة بضوابط شرعية. فعقيدتنا عقيدة سليمة ليست كالعقائد والثقافات الأخرى التي تقول إن الرجل لا يتزوج إلا واحدة وتكون له الكثير من العلاقات المحرمة.
ولكن دعنا من فكرة التعدد، فالمسألة قد تشهد خلافًا شديدًا. لنتكلم عن إضاعة الحقوق الزوجية، فهي تعتبر من أشكال الخيانة التي يقوم بها الزوجان. فكثيرًا ما أصبحنا نرى أن الأسرة متفككة وليس فيها ترابط، فالزوج في وادٍ والزوجة في وادٍ آخر، وكل منهما أصبحت له الكثير من الأشياء التي تشاركه الحياة الزوجية، كالهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي وجماعات الأصدقاء والأقران والجماعات النسائية. إلى كثير من الأشياء التي قد تشارك الزوج والزوجة حياتهما وتقتطع الكثير من الوقت الذي هو من حق الزوج أو الزوجة على حد سواء. تلك من أشكال الخيانة الخفية التي لم نعطِ لها اهتمامًا رغم أنها خيانة كبرى: أن نتشارك الحياة بأجسادنا ولا نتشاركها بعقولنا وقلوبنا.
جميعنا يدين الخيانة شكلًا وموضوعًا بكافة صورها وأشكالها، ولكن علينا أولًا أن ندرك مفهوم الخيانة ومعناها الأصلي حتى لا نعيش الحياة على أننا ضحايا، وتضيع حياتنا كالهباء المنثور نتيجة لإدراكنا الخاطئ.
تتعدد أسباب الخيانة، ولكن كيفية إدراكنا لشكل ومفهوم الخيانة هي التي تدفعنا للقيام بالسلوكيات المصاحبة لوقت وبعد حدوث الخيانة.
ولكن السبب الرئيسي لوقوع الخيانة وما يتبعها من سلوكيات هو كيفية إدراك أحد الزوجين لما يقوم به الطرف الآخر. فالإدراك كعملية معرفية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكيفية تفكير الفرد والمعتقدات الجوهرية المترسخة لديه منذ الصغر وكيفية التعامل معها عندما يكبر.
فالولد الذي يرى أباه يجلس على المقهى ويتحدث في الهاتف كثيرًا ويتصفح مواقع التواصل الاجتماعي بالساعات ستتكون لديه معتقدات أساسية وجوهرية حول تلك السلوكيات التي يقوم بها أبوه. وكذلك البنت إذا رأت من أمها نفس السلوكيات سيتكون لديها نفس المعتقد الجوهري.
ولكن الإنسان كائن إيجابي يمكنه التفكير وتحويل تلك السلوكيات إلى سلوكيات مرغوبة، ولكن ما يتحكم في ذلك هو كيفية إدراكه لتلك السلوكيات وماهية الخيانة في الأساس وربطها بأفعال وسلوكيات جديدة قد تكون ذات أثر في تغيير النظرة العامة الموجودة حاليًا لمفهوم “الخيانة”.
![]()
