...
Img 20250612 wa0011

بقلم المبدع : محمد طاهر سيار الخميسي.

أحلِقُ كطائِرٍ جَبَّارٍ، أجنحتِي من نُورِ البَيانِ ومن حِبرِ القوافِي، أسمُو في عُليَائِي دائِمًا أتأمَّلُ الأدبَ الفرِيد، لا فِرار مِن الأرضِ، بل طَلبًا لِمَجدٍ لا تَدركُهُ الأقدامُ، بل تَبلُغُهُ الأَروَاحُ التَّواقَةُ. أتنَفَّسُ الأدب كما يتنفَّسُ الغيْمُ ماءَ البحرِ، أَحملُهُ في صَدرِي زادًا وألوِّنُ بهِ سمَائِي إِذا ما أظلمت.

 

لن أبتعد عَنهُ أبدًا، حتَّى أصِل إِلى مبتغايَّ، وأبلُغَ أقصَى المرَامِ، وأكُونَ فَارِسًا من فُرْسَانِ الْبَيانِ وبطَلًا من أبطَالِ الفصَاحَةِ. ها أنا أُضمِّدُ الجِراحَ وأنسَى ألمَ الوجَعِ، وأرسُمُ طَريقي بالأمَلِ، أكتُبُ برسائِلي سِحْرًا بيانِيًا، وأسُوقُ نثرًا بيدي، وبِما يَخرُجُ مِن لِسَانِي، وبِمَا يَجُولُ في خاطِرِي، وبِمَا يملأُ قَلبِي من كلِمَاتٍ وجدَانِيَّةٍ وعاطفيَّةٍ، برقَّةٍ ولُطفٍ وصدقٍ وعفوِيَّةٍ.

 

أقفُ ثابِتًا في تطلُّعاتِي، مُتَحِدًا مَعَ ذَاتي كاتِّحادِ النَّمْلَةِ مع سِربِهَا، ومُتعَاونًا مع رُوحِي كتعَاوُنِ النَّحلِ لِصُنعِ خلاياهُ، ليملأَهَا عَسلًا فيهِ شِفَاءٌ لِلْعَلِيلِ.

 

أَبِيتُ كُلَّ لَيلَةٍ في عتمَةِ الظَّلَامِ، أُواسِي المحزُونَ والثَّكالى بِكلِماتِي وأذرِفُ من دمعِي مع الباكين، وأندُبُ مع المنكُوبِينَ، وأرسمُ الأمَل في قلوب الضُّعفَاءِ والمساكينِ. أبِيتُ مُصعِدًا إِلى بُلُوغِ ذُرْوَةِ المجْدِ، لامِعًا في الأُفُقِ كحُرٍ فَاردٍ جناحيهِ، يُمِدُّنِي القَمَرُ سِرَاجًا بِوهجتهِ، والنُّجَيماتُ ضِيَاءً بلتفافِها في سمَائِي.

 

أقِفُ إِلى جَوارِ الشُّعرَاءِ والأَدباءِ، أستَنطِقُ المَاضِيَ، أتأَمَّلُ شِعرَ امرِئِ القَيسِ، وأشقَى مع المُهلهلِ في سَعيِهِ للثَّأْرِ، وأجَنُّ كمَا جُنَّ مجنُونُ لَيلى بليلاهُ أجلِسُ في جنبَاتِ الحَيِّ، مُتَفَرِّدًا عَارِيَ القدَمَينِ، وشقِيًّا كشقَاءِ قَيسٍ بِلُبنَاهُ حِينمَا طَلَّقها بِرًا بوالدهِ. أُحِبُّ المُتنبِّيَ لِجمالِهِ ومدحِهِ لِسَيفِ الدَّولَةِ وهَجوِهِ كَافُورَ الإِخشِيدِي. وأَقرأ قولهُ “الخَيلُ واللَّيلُ والْبَيداءُ تعرفُنِي والسَّيْفُ والرُّمحُ والْقِرطَاسُ والقَلمُ”، حَيْثُ يَصِفُ نَفسَهُ بالفَارِسِ الشُّجَاعِ الَّذِي يَعرِفُ الخيل واللَّيل والْبَيداءَ، ويحمِلُ السَّيفَ والرُّمحَ، ويَكتُبُ بِالقَلمِ.

 

أَبكي مع أبِي فرَاسٍ حِينَما قال “أَراكَ عَصِيَّ الدَّمعِ شيمَتُكَ الصَّبْرُ”، وهُوَ فِي عتبةِ السِّجنِ. حَيثُ يَصِفُ الشَّاعِرُ نَفْسَهُ بِالصَّبرِ والتَّحمُّلِ، رغمَ الألَمِ والحُزنِ الَّذِي يعَانِيهِ ويَقِفُ وحِيدًا في وجهِ الشَّدائدِ.

 

أتأَمَّلُ أيضًا شِعرَ الشَّريفِ الرَّضِيِّ، وأستَمتعُ بِشِعر البُحتُرِيِّ، وأتأَمَّلُ حِكمَة الشَّاعرِ أبي العتاهِيَةِ. وأُحِبُّ شِعرَ ابن الرُّومِيِّ وابن زيدُونَ، وأستَمتعُ بشِعرِ البحرانِيِّ وابن الفارِضِ.

 

كُلُّ هؤُلاءِ الشُّعرَاءِ والأدبَاءِ يُلهمُونَنِي ويُغذُّونَ رُوحِي بِالجمالِ والرِّقَّةِ. لم أنقَد لأخطَائِي إِلى النُّقادِ، ولن يُقيِّدُونِي النُّحاةُ بقُيُودِ النَّحوِ، ولا اللُّغَوِيُّونَ يجبُرُونِي إِلى لُغَةٍ واحِدةٍ مُصطنعةٍ بالتَّعابيرِ المُزخرفَةِ المُعقَّدةِ والغامِضةِ، المَحشُوَّةِ بالكلماتِ الغَريبَةِ.

 

مِيرَاثِي لِلُّغةِ العربيَّةِ من سِحرِ جمالِ الطَّبِيعةِ، ومن فِطرتي الرِّيفيَّةِ، ومن سَمرةِ الباديةِ، أكتُبُ ما ينطِقُ وأنطِقُ مَا أَكْتُبُ، أُتَرجِمُ الكلمة العامِيَّة البلِيدة إِلى الكلِمةِ الفصحَى الأدَقِّ بلاغةً والأَقوَى جزالةٍ.

 

مُفتُونٌ بِمَنظر الرَّوضِ، وحَدائِقِ الأزهَارِ، وغيُوضِ الوديَانِ، أشعَّةُ الشَّمْسِ تلامسُ رأسِي المُبَلَّلَ بالمطرِ، ورُوحِي تَلمعُ بِخُضرةِ الزَّرعِ يداعِبُ يدايَ ويتسلَّلُ من بينِ أنامِلِي.

 

أُرَدِّدُ القَصائِدَ ما يُردِّدُ الزُّرَّاعُ مُهاجِلهُم في الحُقُولِ، ومُحَمَّدًا وعليكَ صَلينَا. رُوحي مُبَلَّلةٌ بِمطرِ الحَنينِ، وثيَابِي مُعطَّرةٌ بِندى الأرضِ، وغارِقةٌ بِزخَّاتِ المطرِ. أرتِّلُ تسابِيحَ الرِّيفِ، وأُنَاشِدُ اللَّه في زهرٍ تفَتَّحَ، وطيرٍ غنَّى، وقطرةِ مطرٍ انعَشَتنِي في لحظةِ يأسٍ، وضجيجِ الرَّعْدِ يدعُو، والبَرقُ يَلمَعُ، وخَرِيرُ المَاءِ يَضفِي صَوْتًا رائِقًا عذبًا.

 

ونسمَاتُ الهواءِ النَّقيَّةِ، والسَّحَابَةُ السَّودَاءُ والضَّبَابُ تلَامَسُ عوَالِي الجِبَالِ حولي، ويخَيَّلُ إِليَّ مشاهِدُ الطَّبِيعَةِ وَكَأَنَّنِي أَفْتَحُ بين يديَّ كِتَابًا، لا بدء لهُ ولا نهَاية لصفحاته، غلافُهُ الخَارجِيُّ الكَونُ ومُحتَوَاهُ كُلُّ ما هُوَ عَالِقٌ في الكَونِ من الكَوَاكِبِ والنُّجُومِ والمَجَرَاتِ والأرضِ والشَّمسِ والقمَرِ.

 

أقرأُ في كتابِ الطَّبيعة المفتوحِ، وأَنظُرُ إِلَى السَّماءِ، إِلى الجِبَالِ، إِلى الضَّبابِ، إِلى النَّهرِ إِذا انسابَ، فأشعُرُ أنَّنِي أَكتُبُ والكَونُ من حولِي يَستمِعُ. أستلهِمُ الجمال من كُلِّ شيءٍ، من تنهُّدةِ المسَاءِ، ومِن بُكاءِ العصافِيرِ، من رائحةِ الأرضِ بعد المطَرِ، ومن زرقةِ السَّماءِ حين تُعانِقُهَا خُيُوطُ الفَجرِ.

 

أكتُبُ عن الحُبِّ، عن الفقد، عن اللَّهفةِ، عن الأنسَانِ في ضَعفة وقُوَّتهِ. وفي النِّهاية، أجِدُ نَفْسِي غارِقًا في بَحرٍ من الكلِمَاتِ، لا أَلوِي على شَيءٍ سِوَى أن أكُونَ صَوتَ من لا صوت لهُ، وقلم من لا يَملِكُ إِلَّا الدَّمعَ. قَلمِي طائِرٌ، وأنا سماؤُهُ.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *