...

غابة الموتى

سبتمبر 16, 2025
Img 20250916 wa0002

الكاتبة أمينة حمادة

حيث يهبط الليل بسكونه الرخيم، وهدوئه السليم، جميع العيون مغمضة، إلا زوجًا من الأعين يتلقف المارة…

هل من مارة منتصف الليل في غابة الموتى؟!

سأل أحدهم بفضول مصطنع، فأجاب الآخر بكلمات مقتضبة:

نعم، إنه السفاح الأزرق، الذي ينهش جسد البشري، لا يلقي له بالًا…

ثم يرمي عظامه في زاوية الغابة.

 

عاد يسأل من جديد صاحب الصوت الجهوري:

وأنت؟ عفوًا، أنا أصبحت برفقتك، نحن ما دورنا؟

– لا نترك أثرًا لهذه العظام، إذا بقيت حتى بزوغ الفجر، سنكون نحن حتمًا الضحية المقبلة…

 

بينما الهمس يتواصل، التفت الشاب الصغير، ذو الصوت الجهوري، إلى الخلف، ليجد السفاح الأزرق بحزامه الأصفر القاتم، وجسد خلا من اللباس إلا ما يستر العورة، وشعر كثيف…

قابله بابتسامة دمثة، ومضى دون أن يتفوه بحرف.

 

ترك صاحبه ومضى يتبع السفاح، ليجده يطرق باب أحدهم دون استئذان، يدخل المنزل، ويخرج منه رجل يبدو عليه إمارات السكر، يقتله بدم بارد، ويلقي بجثته أسفل شجرة الصنوبر…

 

تبعه مرة ثانية، لكن هذه المرة إلى كوخ بسيط، بُني بالطين وسُقف بالقش؛

توقف السفاح الأزرق لحظات، والتفت للخلف، ليجد الشاب ترتعد أوصاله خوفًا، حاول أن يركض أينما تأخذه قدماه، لكنه توقف فجأة، كمن تذكر شيئًا.

بادره السفاح بالكلام:

– لماذا تتبعني؟

– أنا… أن… أااا… (تمتم بخوف).

رد عليه بلطف:

– اسمع أيها الفتى، لست بمجرم، لكنني أطهر الأرض من الأوغاد.

– لا توجد طريقة غير هذه؟ بالنصح والإرشاد مثلًا؟!

 

ضحك السفاح بسخرية، وأردف الشاب:

– انظر لحال هذا الكوخ، كيف لك أن تقتل رجلًا، وتيتم أطفالًا، وترمل نسوة، وتثكل أمًا على فلذة كبدها؟

رد عليه بثبات، ونظرة في أوسط بؤبؤه:

– أما الأول، فهو مدمن للخمر والمنكرات، ينثر أمواله في أماكن مشبوهة. دع الأطفال يكبروا لوحدهم، دون أن يتبعوا سبيل والدهم.

– والثاني؟ سأل الشاب.

– هذا قاتل قتلى.

ضحك الشاب لكلامه، وأكمل السفاح:

– قتل والده لأنه لم يوهبه أرضًا، وقتل زوجته لأنها كشفت خيانته…

 

بتر كلامهما صوت يعلو من الداخل، قفز الاثنان ليعلما ما الخطب!

وجدا الرجل يقطع أصابع والدته لتعطيه خاتمها الألماس، وهي ترفض بتر الخنصر والبنصر.

رفع سكينه، لتتلقفه يد السفاح، الذي أخذه دون رحمة، وهو يسمع كلام والدته تدعو عليه، وتهم بالسفاح ليقضي على الابن العاق…

 

أخذ أصابعه بين فكيه، بأسنان حادة كالنصل، بترهم واحدًا تلو الآخر، ثم فتح جوفه ليخرج قلبه.

وهو ينظر للشاب قائلًا:

– وليمة اليوم جاهزة.

أصبحت عيناه حمراوين، علم الشاب أن القادم دوره…

 

هرب دون أن يلتفت، ظل يركض على غير هدى، حتى استقر به المقام جوار صاحبه، الذي وبخه على ملاحقة السفاح…

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *