كتبت: منال ربيعي
أبكي على نفسي كما يبكي الغريب على وطنٍ أُسقِط من خرائط الحنين، وطنٍ كان أخضرَ كقلب طفلٍ وصار رمادًا في الريح. كانت الدنيا تدور بي وتدقُّ قلبي كطبول حربٍ لا هدنة فيها، حتى لم أعد أعرفني؛ كأنّي انسلختُ من جلدي القديم مثل ثعبانٍ جافّ وخرجتُ منه شبحًا يطوف في الطرقات بلا ظلٍّ ولا وجه. كنتُ يومًا أُمسك قلبي بيدي كزهرةٍ ندية، أضمّه إلى صدري وأحرس نبضه من العواصف، فإذا بي الآن أحمله كحجرٍ بارد لا دفء فيه ولا عزاء. أنا لستُ أنا، وقلبي لم يعد قلبي؛ غُرست فيه السهام حتى صار غابةً من الجروح، كل جرحٍ فيه ينطق باسمي ويُنكرني في الوقت نفسه، كأنّني إيزيس تبحث عن جسد أوزيريس في أشلاء الروح.
أجلس أمام مرآتي فلا أرى إلا عينيّ مثقلتين ببحارٍ من الملح، يتهامسان بأسرارٍ لم أعد أقدر على فهمها. كنتُ أظن أنّي أعرف طريق العودة إلى ذاتي، لكنّ الطرق تاهت وصارت متاهة من دخانٍ وأصواتٍ بعيدة وأحلامٍ ذابلة. ومع ذلك، في كل هذا الخراب، ما زال في داخلي صوتٌ صغيرٌ يشبهني، يبكي معي ويُعلّمني أن الدموع ليست هزيمة، بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى من النقاء. أبكي على نفسي لأنّي أفتّش عنّي في ركام الأيام، وأكتبني على الورق لعلّي أجدني بين السطور، ولعلّ البكاء هو الضوء الخافت الذي سيقودني إلى نفسي من جديد، كطفلٍ يعود إلى حضن أمّه بعد ضياع طويل، أو كنيلٍ يعود إلى منبعه بعد موسم جفاف.
![]()
