...
Img

المحررة: زينب إبراهيم

ليست اللغة العربية بالنسبة للبعض مادة تدرس داخل الفصول بل وطن يسكن القلب، ورسالة يحملها أصحابها بكل شغف وإيمان وعندما تجتمع مهنة التعليم مع موهبة الكتابة، يولد قلمٌ يعرف كيف يصنع من الحروف حياة، ومن المعاني جسورًا تعبر إلى القلوب.

 

في هذا الحوار نستضيف الكاتبة/ آية مصدق من تونس، وأستاذة للغة العربية جعلت من الفصحى رفيقة دربها، ومن الأدب نافذتها إلى العالم، لتحدثنا عن رحلتها مع الكلمة، وعن الإنسان الذي يختبئ خلف النصوص وعن الأحلام التي ما زالت تنبض بين دفاترها في لقاء يأخذنا إلى عوالم الفكر والجمال وصدق البوح.

 

أهلًا بكم في حوار جديد من حوارات مجلة الرجوة الأدبية، حيث نقترب من المبدعين لا لنسألهم ماذا كتبوا بل كيف صنعتهم الكلمة؟

 

 

 

بعيدًا عن السيرة التقليدية، من أنتِ حين تضعين الألقاب جانبًا؟

 

اسمي آية مصدق، من تونس، أستاذة لغة عربية وكاتبة. من هواياتي الكتابة والرسم، إلى جانب اهتمامي بالسينما والموسيقى.

 

أما بعيدًا عن كل الألقاب، فأظن أنني زهرة برية نبتت على سفح جبل، تشق طريقها بين الصخور نحو الشمس. لم تحظَ بعناية البستانيين، لكنها وجدت في العناية الإلهية ما يكفي لتواصل السير. تعثرت كثيرًا، وانحنت أحيانًا، لكنها لم تتوقف عن المحاولة.

 

 

 

إن كانت حياتكِ لوحة، فما الألوان التي تمثل شغفك خارج عالم الأدب؟ وهل لكِ مساحات أخرى تهربين إليها؟

 

الأحمر بالنسبة لي هو لون التمرد؛ ليس التمرد من أجل الرفض، بل من أجل البحث عن معنى مختلف للعالم. أما الأسود فهو لون الغموض، والغموض جزء كبير من شخصيتي. قد أبدو صريحة، لكنني أخفي دائمًا أكثر مما أقول. خارج الأدب، أهرب إلى الفن؛ أحب الرسم لأنه يمنحني لغة لا تحتاج إلى الكلمات، كما أحب السينما والموسيقى، فكلتاهما توسعان خيالي وتمنحاني طرقًا جديدة لفهم الإنسان.

 

 

 

ماذا تمثل لكِ الكتابة: ملاذ، اعتراف، أم مواجهة صامتة مع الذات؟

 

الكتابة ليست ملاذًا بالنسبة لي، بل مواجهة. أواجه بها نفسي أولًا، ثم أواجه بها الأفكار السائدة والأسئلة التي يخشى كثيرون الاقتراب منها. إنها محاولة مستمرة لفهم العالم أكثر مما هي محاولة للهروب منه.

 

 

 

 

متى كانت اللحظة الأولى التي أدركتِ فيها أن الكلمات لم تعد مجرد هواية بل قدر؟

 

حين فزت بأول جائزة وطنية، أدركت أن ما أكتبه يستطيع أن يصل إلى الآخرين. لكن اللحظة الأهم كانت عندما شعرت أنني لم أعد أكتب لأخفف عن نفسي فقط، بل لأترك أثرًا، ولو كان صغيرًا، في طريقة تفكير إنسان أو نظرته إلى قضية ما.

 

 

 

لو طلبنا منكِ أن تختاري نصًا واحدًا يمثل روحكِ، ماذا ستكتبين لنا الآن؟

 

عيناها كأعمدةِ إنارةٍ تشعُّ حتى عندما ينطفئ العالم. تعرف كيف تُزيل غبار الألم، وتبتسم للمرآة. تفتح نافذتها كل صباح، وتسقي أمنياتها. لا تستسلم، ولا تُلقي سلاحها أرضًا، ولا تتوقف عن السير في طريق أحلامها.

 

 

 

بين أعمالكِ الأدبية، أيها يشبهكِ أكثر، وأيها وُلد من ألم لم يُحكَ؟

 

رواية «لعنة الفراشة» هي الأقرب إلى نفسي؛ لأنها كُتبت في أكثر مراحل حياتي اضطرابًا. لم تكن مجرد رواية، بل انعكاسًا لحالة نفسية مليئة بالخوف والتشتت والبحث عن الذات. واليوم أراها شهادة على تلك المرحلة أكثر مما أراها عملًا مكتمل النضج.

 

 

 

ما العمل الذي ترينه الأقرب إلى الكمال من وجهة نظرك حتى الآن؟ ولماذا؟

 

أرى أن قصصي القصيرة هي الأقرب إلى ما أطمح إليه؛ لأنني أشعر أنني أكثر تمكنًا من الأدب الوجيز، حيث تكون كل كلمة محسوبة، وكل جملة تؤدي وظيفتها دون حشو أو استطراد.

 

 

 

كيف ومتى اكتشفتِ صوتكِ الخاص في الكتابة وسط هذا الضجيج من الأقلام؟

 

اكتشفت صوتي منذ المرحلة الثانوية. أدركت أنني أكتب الأدب بلغة تميل إلى الخيال والوصف، بينما أكتب المقالات الفكرية بعينٍ تحليلية تبحث في الأسئلة قبل الأجوبة. لذلك أرى أن صوتي يتشكل من التقاء الخيال بالعقل.

 

 

 

هل تفضلين النشر عبر الكتب أم الإلكترونية؟ وما هي أعمالكِ الأدبية؟

 

لا شيء يعادل متعة الكتاب الورقي، لكنه لم يعد الطريق الوحيد للوصول إلى القارئ. النشر الإلكتروني يصنع جمهورًا، والجمهور هو ما يمنح الكاتب فرصة حقيقية للاستمرار. أعتقد أنني تسرعت في نشر روايتي الأولى؛ فقد تعلمت أن النشر ليس غاية، وأن امتلاك كتاب مطبوع لا يكفي ليصبح الإنسان كاتبًا، بل لا بد من مشروع فكري وأدبي يسبق الكتاب ويستمر بعده.

 

 

 

في رحلتكِ، لمن كانت اليد التي أمسكت بكِ حين كدتِ تتعثرين؟

 

بعد الله، كانت نفسي. ليس لأن من حولي لم يكونوا طيبين، بل لأنني كنت معتادة على خوض معاركي بصمت، ولم أكن أجيد الحديث عن أوجاعي أو طلب المساعدة.

 

 

 

هل يمكن أن تفتحي لنا باب أحد كتبكِ، وتتركي لنا لمحة من عالمه؟

 

سأفتح باب كتاب «نزيف من رئة مثقوبة»، وهو مجموعة من الومضات الشعرية المكثفة، تُرجمت إلى الإنجليزية ونُشرت في مجلة أدبية في برشلونة. يحاول الكتاب أن يمنح الألم الفلسطيني لغةً لا تعتمد على الخطابة، بل على التكثيف والصورة والوجع الإنساني.

 

 

 

النقد ذلك الوجه الآخر للإبداع، ما أقسى ما وُجّه إليكِ؟ وكيف حوّلته من عثرة إلى دافع؟

 

أحب النقد أكثر من المديح؛ لأن المديح يمنحك الرضا، أما النقد فيمنحك فرصة للتطور. أكثر ما قيل لي إن الكتابة لن توصِلني إلى شيء، وكان المقصود غالبًا المال أو الشهرة. لكنني لم أكتب يومًا بحثًا عن مكسب مادي؛ أكتب لأنني أؤمن بأن الفكرة الجيدة قد تعيش أطول من صاحبها.

 

 

 

ماذا تخبئين للمستقبل؟ هل هناك مشاريع تنتظر أن ترى النور قريبًا؟

 

أعمل حاليًا على مشاريع فكرية أكثر منها أدبية، لأنني أجد نفسي في البحث والتحليل بقدر ما أجدها في السرد. وقد تصدر لي مجموعة قصصية، أما الرواية الثانية فسأمنحها الوقت الذي تستحقه، ولن أكرر استعجال التجربة الأولى.

 

 

 

لمن يقف الآن على بداية الطريق خائفًا، ماذا تقولين له قبل أن يخطو؟

 

لا تنتظر أن تشعر بأنك مستعد؛ فلن يحدث ذلك غالبًا. ابدأ، وتقبّل أن أعمالك الأولى لن تكون كاملة. لا تخف من الفشل، بل خف من أن يمنعك الخوف من المحاولة. الموهبة بداية الطريق، أما الاستمرار فهو ما يصنع الكاتب.

 

 

https://www.facebook.com/aya.msaddak.2025

 

 

بعد هذا الحوار، كيف تصفين تجربتكِ معنا بكلمة واحدة؟

 

صادقة.

 

 

 

 

وأخيرًا، كيف ترين مجلة الرجوة الأدبية؟ وما الرسالة التي تودين توجيهها لها؟

 

أرى أن مجلة الرجوة الأدبية تؤدي دورًا مهمًا في منح الأصوات الجديدة فرصة للظهور، وفي الحفاظ على مساحة للحوار الثقافي بعيدًا عن الضجيج. وأتمنى لها أن تظل منبرًا يراهن على جودة النص لا على شهرة صاحبه، وأن تواصل دعم الكتّاب الذين يحملون مشاريع فكرية وإبداعية حقيقية. فالثقافة لا تزدهر إلا عندما تجد أقلامًا صادقة ومنابر تؤمن بها.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *