...
Img 20251021 wa0011

 

الكاتبة شروق مصطفى

 

كنتُ أركض إلى وجهتي، حتى وصلتُ إليها… إلى نفسي.

ها قد أتت سفينتي أخيرًا، واحتضنها الميناء من جديد، واستقرّت.

هكذا كان الوقت الذي كففتُ فيه عن الركض وراء الأشياء.

 

سئمتُ المعرفة عن كل شيء، حتى إنني لم أعد أرغب في شيء، سوى أن أستمع إلى صوتي الداخلي فقط،

ذلك الذي أسكته طوال حياتي خوفًا من أن يشعر به أحد، أو يعرف ما أكنّه في داخلي، فينكشف أمري.

حتى إنني كنتُ أخشى، بيني وبين نفسي، أن أستمع إليه، كي لا أتأثر.

 

أما الآن، فقد أدركتُ أنني بحاجة إلى أن أُرخي يدي، وأجلس بهدوء مع ذاتي، وأُصغي إلى قلبي.

وها أنا أفعل، حتى إنني أسمعه الآن. لم يكن يصرخ كما توقعت، بل كان يهمس بلطف، قائلًا:

“الآن حان وقت أن تتنفّسي بهدوء فقط يا عزيزتي.”

 

أصغيتُ لصوت قلبي وتنفّستُ بعمق، حتى كدتُ أسمع صوت موج البحر رغم بُعده.

داعبتني نسمة باردة على خدي، وشممتُ رائحة جميلة لم أعرف مصدرها،

حتى رأيتُ بائع الورد يتأرجح بين الأرصفة، ينثر الجمال والوداد بين صخبٍ لا يلتفت.

 

كأنّ الزهور اختارته رسولًا لها، يبحث عن قلبٍ يعشق الجمال ويقدّره،

لا عن يدٍ تشتري الزهور لتقطفها!

 

ثم رفعتُ عيني إلى السماء، وها قد حلّ الغروب، ما أروعه!

لبثتُ شاخصةً إلى صفحة السماء، كما ينظر المصوّر الماهر إلى تمثاله البديع.

 

فرأيتُ سربًا من الطيور يرسم لوحة من الحرية بألوانٍ بديعة،

وحينها قرّرت الشمس أن تنسحب بهدوء، فاختبأت بين ثنايا الغيم… ما أروع ما رأيت!

 

كلّ هذا الجمال كان من نصيبي، فقط لأنني تنفّستُ، وتركتُ ورائي ما يُعكّر صفوي.

أشعر الآن وكأنّي جزءٌ من هذا كلّه، بل إنني هذا كلّه معًا.

 

فأنا عطر الزهور، وأنا اختفاء الشمس كمن يُخفي سرًّا،

وأنا أيضًا الصوت العالي المسموع للبحر رغم بُعده.

حتى إنّ لي جناحين، كتلك التي تملكها الطيور.

 

لذا، فأنا أؤمن تمامًا أنني سأحلّق عاليًا يومًا ما،

مثل تلك الطيور، لعلّي حينها أرسم بنفسي لوحتي الفنيّة الرائعة لرغباتي وأحلامي.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *