الكاتبة مريم لقطي
يذكرني المشهد بسجن صيدنايا، هناك حيث السجن مطبَق، والسجين لصيق بالجدار، والسجّان يحاصره بكل جبروت. أراه يصارع الجوع، الخوف، أراه يصارع الهلاك.
يبحث عن حرية فلا يجدها، يحاول الفرار فيُطبَق عليه السجن أكثر.
وكأنه جثة تتنفس، ولولا تنفّسه لما عرفنا أنه حي.
هناك، هو محاصر بأيادٍ مخضوبة بدمائه البريئة، يعاني الألم والقهر، يحاول الالتفات إلى أي جهة فيزيد الضغط عليه.
سجّان لعين وهمجي يحاصره، ولا أحد مدّ له يد العون. هو مثال من بين الآلاف الذين عُذّبوا مثله وأكثر.
وكأنه في مقصلة الموت، ينتظر حكم الإعدام، وهو معدوم الأحلام والآمال.
أراه يحادث نفسه كالمجنون: “أنا جائع، يدَيّ من القيد تؤلمني.” يزورني في أحلامي، فأسأله عن حاله الغريب، ليجبني بأسف جديد: “ماتت الإنسانية وغادرت الرحمة القلوب.”
أحاول أن أمدّ له يدي، فأصطدم باليأس والطغيان، وأنظر في الأرجاء لعلي ألمح الحق، فأنهار لأنني أرى الباطل يتجول بثياب الحق، وأرى الكذب يطمس الحقيقة.
أرى الجدران تزيد ضغطًا على السجين، وهو يصارع ولا يستطيع الحراك.
وأخيرًا، ما أتذكره من كلمات السجين كلمات حفرت في ذاكرتي، عندما رأى الخير مبتورًا، والسلام ارتدّه الحرب قتيلًا: “لا السجن باقٍ، ولا السجّان يا وطني، ولا الدموع والآهات والحُرق.”
![]()
