...
Img 20250928 wa0021

الكاتب اليمني: محمد طاهر سيَّار الخميسي.

 

 

لقد سمعت من الأخبار المتلاحقة بما يحزّ في نفسي عن الأصدقاء المعذبين في عتبات السجون، ولكن لا أحزن عليهم كثيرًا لأنني أعلم أن السجن هو للمقاومين الأقوياء، وأن السجين أكثر حياة من السجان، وأكبر شجاعة من الجنود الذين أمسكوا به وهم يحملون أنواع الأسلحة حتى جعلوا يديه مصفودتين بالسلاسل، حينها رموه خوفًا وراء عتبة السجن في زنزانة مظلمة لا يدخلها شعاع الشمس، ولا يميز الليل من النهار، إلى حينما ينظر إلى ساعته عند أوقات الصلاة.

 

سمعت عن صراخ المرضى في المستشفيات، كلما دخلت وأنا في أشد مرضي وسقمي أنظر إلى المنكوبين من المرضى الصغار والكبار، حالاتهم حرجة وفي خطر بين الحياة والموت، أحمد الله على عافيتي، وأن مصيبتي أهون عن مصائب هؤلاء الضعفاء المساكين الذين يعانون من الأوجاع ومن قلة الحيلة، ويشكون من الفقر والعوز والحاجة، لا يجدون ما يسدون به بطونهم ويُداوون به آلامهم.

 

كما سمعت ضحك المجانين في الطرقات، حينها أشكر الله على اتزان عقلي من الهيستيريا والهذيان. حينما أحدثكم بأنني لدي التواء في الذاكرة، أنسى كل ما أقرأ من الكتب والمقروءات التي تمر بها ذاكرتي، ما ألبث من نسيانه إلا وقد امتلأت حافظتي منه بما يبقى من حلو البيان. ولكن كما تعلمون، حينما لا أكتب، لأنني أكون أشقى منهم، أولى منهم بالرحمة والشفقة والعطف والحنان. ربما لا أستطيع أن أكتب إليهم، فقد بلغ بي الشقاء منتهاه، وأظلم فكري، فما عاد أستطيع أن أبصر شيئًا، كما أن الوداع وداع الحياة إن كان لنا في الأجل بقية، أو وداع الموت إن كانت الأخرى.

 

فمصير الحي يلتقي، ومصير الغائب يعود، أما مصير الميت لا يرجع إلينا ولا نسمع خبره إلى الأبد. ولكنه بحاجة إلى الدعاء له بالرحمة. كما أنني لا أحزن على الذين يرتقون شهداء، لأنهم في السعادة الدائمة حيث النعيم المقيم في الجنة. ولكن كل ما يحزنني ويعكر صفوي حينما أرى من يدعون بالعلم والمعرفة، وهم أقرب إلى الجهل من العامة الذين لا يدخلون مدرسة أو جامعة أو يفتحون كتابًا، ولا يمسكون قلمًا، متلبسين بالعبادة الزائفة رياءً أمام الناس، ويظنون أنهم يحسنون صنعًا.

 

كما أعجب ممن يحفظون قواعد اللغة العربية ومتونها، ويجيدون نحوها وتصريفها، ولكن لا يختلقون أفكارًا إبداعية، علمهم نقل وحفظ، لا إنتاج وإنشاء وعمل به. كما أعجب كل العجب من العروضيين الذين يوزنون كل بيت شعري بالتفعيلة، ويعلمون من أي بحر ذلك البيت الذي كتبه ذلك الشاعر بما في سجيته من مشاعر وأفكار عميقة لا يعيقه شيء، فارس للخيال لا يرد جماح فرسه لجام في عالم الكتابة الشعرية. أما هم، فذلك الذين علماء ودراوون بعلم العروض، لا يجدون كتابة بيت شعري واحد على الأقل في حياتهم، يا لسذاجة عقولهم! كمن يلصق وينسخ ما لا يكون من تفكير عقله وينشره كي يبهر الناس به، أو كخطيب لا يحضر خطبة بما يكتبها هو، يقرأ وهو مشدود على منبره، حتى يظن المستمعون ذلك مما تدل عليه قريحته ووازعه الديني وكثرة تأثره بعلم الكتاب والسنة، ولديه موهبة في اختيار العناوين الهادفة في الإرشاد بما يراه في المجتمع يعالج به انحرافاتهم ويصلح به انعواجهم حتى يساقوا إلى صراط المستقيم.

 

كما أعجب كل العجب بالذين قرأوا ولا يقرأون، أعجب من هم سبقونا في الدراسة الجامعية ولكن لا يقرأون باستمرار سوى ذلك المنهج الذي درسوه حتى اكتسبوا تلك الشهادة التي اكتسبوا بها سيرة ذاتية، ولكن بقي جامدًا متوقفًا عن المطالعة، فلا تتوسع المدارك أكثر إلا في القراءة والتأمل باستمرار وفي تطوير الذات وفي مجالهم الذي درسوه. ولكن حينما تتبادل معه أفكارًا علمية أو تسأله في شيء ما، تجده لا فرق بينه وبين العامة في الغباء، بما أن العامة عقولهم قوية ورصينة للحفظ عبر الاستماع، ولفراغ عقولهم يحفظون الأشياء بدقة. العامي لما تتحدث معه يصف لك كل الأشياء بدقة، ما لم يكتبه كاتب روائي بطرقة لوصف جميع الأشياء التي يمر بها.

 

غاية حديثي بالنصح بالقراءة والإنتاج في العلم حتى يصبح نافعًا في حياة كل متعلم أو معلم. فالعلم هو الوسيلة الوحيدة للنهوض بالأمم والشعوب، وهو السبيل لبناء مجتمع قوي ومزدهر. فلنحرص على طلب العلم والعمل به، ولنجعل من القراءة عادة يومية لنا، ولنكن قدوة حسنة في حب العلم والتعلم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *