...
Img 20251022 wa0046

 

بقلم: آلاء العقاد

 

وقفتُ مذهولة، يداي ترتجفان، وقلبي يختنق بمرارة لم أعرفها من قبل.

كان المشهد أكبر من أن يُحتمل، أوسع من أن يُكتب، وأعمق من أن يُفهم.

 

في صباحٍ ثقيلٍ بالدمع والانتظار، أعلنت قوات الاحتلال أنها ستُسلم جثامين بعض الأسرى الفلسطينيين الذين استُشهدوا داخل سجونها.

أمهات، آباء، أخوات، إخوة، كلهم جاءوا… يحملون صورًا قديمة، أسماءً عالقة في القلب، ودموعًا لم تجف منذ سنين.

 

لكن حين وصلت النعوش، لم يكن الحزن وحده بانتظارنا، بل رعبٌ أشد.

جثامين بلا ملامح، أجسادٌ محروقة، مشوهة، مغسولة بالدم والعذاب.

 

صاحت أمّ أسير: “مش ابني! ابني وسيم، مش هيك!”

وبكت أمٌ ثانية: “بس ريحة جسمه بتشبهو، أنا حافظاها…”

 

كانوا أسرى أحياء، ثم أسرى موتى… ولم يسلموا حتى بعد الشهادة.

محروقين، مكسّرين، ممزقين… بلا ملامح، بلا أعضاء، بلا هوية.

 

من هؤلاء؟

أين دفء الوداع؟

أين الكفن الأبيض؟

أين العدالة؟

 

صدى الأسئلة يصرخ في المكان…

أمهات يبحثن في الرماد عن خصلات شعر، عن بقايا أصابع، عن علامة مميزة ليتأكدن أنهم أولادهن.

 

في إحدى النعوش، وجدوا بقايا قلادة بلاستيكية، فقالت أخته: “هاي إلُه… كنت أنا أعطيتُه إياها يوم المحاكمة.”

وهكذا، لم نودع وجوههم… بل ودعنا قطعًا متناثرة من أجسادهم.

 

حتى في الموت… لم يسلموا من يد الاحتلال.

اعتقلوهم أحياء، وعذبوهم حتى تفحمت أرواحهم، ثم أعادوهم إلينا كجثث لا تُعرف.لم أكن أتصور أن أقف في هذا المشهد يومًا… أن أشاهد جريمة تُرتكب حتى في وداع الشهداء.

كأن الموت لم يكن كافيًا…

كأن الألم يجب أن يُكمّل حتى بعد القبر.

 

عدتُ من ذاك المكان أحمل في صدري حكاية لن تموت.

حكاية وجوه بلا ملامح، وأمهات بلا وداع، وعدالة مؤجلة.

 

 

لأسرى الموت الذين ما زالوا يصارعون الألم من تحت التراب

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *