...
IMG 20251202 WA0036

 

الكاتبه أماني الأموي

 

كانت طفلةً تقف أمام نافذةٍ لذكرياتٍ مضت، لفقيدٍ أثقلت الدموع شوقها للقياه، تقف وكأنها تواجه الجزء المفقود من روحها.

ظهرها الصغير المائل قليلًا يروي ما مرّت به في سنينها الأولى، ووقفتها الساكنة تفيض صمتًا، كأنها تحمل ما هو أثقل من عمرها، ذكريات وشوقًا وعجزًا لا يُحتمل،

لم تكن مجرد لوحة عابرة أو إطارًا معلّقًا على جدار باهت؛ كانت نافذة لزمانٍ ما زال نابضًا في أعماقها رغم الغياب،

حدّقت طويلًا في ملامح مرسومة على الجدار، في رونق العيون التي تشبهها، في ذلك المبسم الوضّاح الذي لا يزال حيًّا رغم تجمّده داخل الورق، كانت تدور بعينيها بين زوايا الصورة، كأنها تبحث عن صوت، عن ضمّة، عن زمن يعيدها، عن حضورٍ صار اليوم ذكرى معلّقة بالأسى.

وكلما أطالت النظر، شعرت أن المسافة بين حاضرها وماضيها تضيق، لكن الفجوات في قلبها تتّسع كبحرٍ بلا نهاية،

الغائب من العائلة لا يغادر أحدًا؛ يأخذ معه جزءًا من الضوء، وقطعًا من الطمأنينة، وركنًا من حكاياتٍ لن تكتمل.

ولهذا كانت الطفلة تقف هناك كمن يحرس إرثًا ثمينًا، كأثر أخير تخشى أن تسرقه الأيام كما سرقت صاحبه، حينها فهمت أن بعض الأماكن تنسدل من ذاكرة الماضي إلى طريقٍ لا يُسد، وأن بعضها يبقى فارغًا مهما امتلأ بالحياة… فارغًا، لكنه محشوٌّ بصوت الألم، وأن بعض الوجوه تعيش معنا في الغياب أكثر مما عاشت في الحضور،

وهكذا، وفي غرفةٍ معتمةٍ إلا من خيوط ضوءٍ تنسدل على تلك اللوحة وذلك الثغر المبتسم، أدركت أن الحب الحقيقي لا ينتهي، وأن الغائب—حتى وهو بعيد—يظل الأقرب… يظل ظلًا لا ينطفئ.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *