...
IMG 20251210 WA0002

 

الكاتبة سارة أسامة النجار

 

يومٌ بألفِ عامٍ مما تعدّون. يومٌ انشقّ فيه الزمن نصفين: ما قبله ماضٍ لا يُرتق، وما بعده مستقبلٌ بلا ملامح. هو الحدُّ الفاصل بين الفرح والترح، بين الحياة كما عرفناها، والحياة كما لم نكن نتصورها. هو السيف الذي شطر أرواحنا دون أن يُسقطنا في القبور.

 

لا أدري من أين أبدأ. ربما من تلك الصرخة التي تعتصر قلبي كلما فتحت صندوقي الأسود. كنا محاصرين لأسبوعٍ كامل، نهاره خوفٌ لا يهدأ، وليله رُعبٌ لا ينام. وفي الساعات الأخيرة قبل العاشر من ديسمبر 2023، سقطت قذيفة علبنا، فضمدنا جروحنا في ظلمةٍ حالكة، لا ضوء ولا ماء، والنوم على الحجارة والبارود يلفنا. صرخات إخوتي الصغار من الألم كانت تُقابل باعتذارات عاجزة من الإسعاف: “لا نستطيع الوصول إليكم.”

 

مع أول خيوط الصباح، زحفنا نحو بيت جدتي، نبحث عن سراب أمان. تمددنا على الأرض نترقب نهاية الانفجارات، لكنها كانت تقترب أكثر، حتى سمعنا غناء الجنود وهم يعبثون بأثاث بيتنا المطل على بيت جدتي. رأينا الستائر تتحرك، فتقطّعت أنفاسنا، كأنها تلوّح لنا بوداعٍ أخير. الجنود بلغوا بابنا.

 

كنا ستة عشر نفسًا في غرفة لا تتجاوز مساحتها ستة عشر مترًا. أصغرنا في السادسة، وأكبرنا تجاوزت الثمانين. لا صوت، لا حركة، فقط انتظارٌ ثقيل لمصيرٍ مجهول.

 

ثم، طرقاتٌ من رصاص عنيفة على الباب الحديدي، جعلتنا نصرخ بصوت واحد: “نحن أطفال… نحن نساء… نحن مدنيون.” لكن الرصاص لا يسمع. صاح جندي: “افتحوا الباب!” فنهضنا كمن أفاق من غيبوبة ألف عام، ورفعنا أيدينا بوجوهٍ شاحبة. صوب الجنود بنادقهم نحونا، وتساءلنا: هل جاء عزرائيل معهم؟

 

تقدّم أبي، يجيب عن أسئلتهم، يوجّهنا كما أمروا. فصلوا الرجال عن النساء والأطفال. احتجزونا في غرفة قريبة من تلك التي ضمّت أبي وإخوتي وأبناء عمتي. لا نعلم مصيرهم، ولا مصيرنا المعلّق على فوهات البنادق.

 

قالوا إنهم سيفجّرون أجزاء من البيت، وطلبوا منا الصمت. تكررت الانفجارات، والحجارة تنهال علينا، وصرخاتنا مكتومة، تقصف أرواحنا ونحن ننتظر المجهول.

 

بعد ساعات، رأينا أبي وأخويّ وأبناء عمتي وعمّي، معصوبي الأعين، موثوقي الأيدي، يُقتادون أمام أعيننا التي لم تكفّ عن البكاء، وأرواحنا تختنق بغصّات لا تُقال. توسّلنا للجنود أن يتركوهم، لكنهم طردونا من بيتنا حفاة، لا نملك سوى قلوبٍ مكسورة وألف سؤالٍ بلا جواب.

 

خطونا أولى خطواتنا خارج البيت، وأدركنا أن الحرب بدأت للتو. الشوارع مدمرة، الدبابات تحاصرنا من كل الجهات، ونحن نمشي بلا وجهة. البرد قاسٍ، والحجارة تمزق أقدامنا الحافية. أبي ليس معنا. جدتي سقطت، رفض جسدها مواصلة المسير، وولدها ليس معها، ومملكتها احتلها غريب.

 

أمي علقت في مستنقع وحل، ولم تستطع الخروج إلا بعد جهدٍ شاق. الأطفال يسيرون بأجسادٍ مصابة وأرواحٍ منهكة، وأنا أمشي، لا أعي شيئًا، أكتم أوجاعي.

 

بعد ساعات، وجدنا مخزن مفتوح، احتمينا به، نلتقط أنفاسنا. كانت أطول ليلة في حياتنا، مشردين بين ألسنة اللهب، ننتظر الصباح، ونجهل مصير شبابنا.

 

عمتي تمكّنت من الاحتفاظ بهاتفها وتواصل مع ابنها الأصغر من رقم غريب، الذي زفّ لنا خبر نجاتهم. أخبرنا بمكانهم، فعاد شيءٌ من الحياة إلى صدورنا.

 

في الصباح، تكرّر مشهد النزوح. مشينا إلى رفح، والضنك يكسو وجوهنا. وبعد ساعات، وصلنا إلى المستشفى الأوروبي، وهناك التقينا بأحبّتنا، وسط دموع الفرح وتهاني الناجين. ومن هناك… بدأ نزوحنا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *