...

حسن… والسايس

ديسمبر 29, 2025
IMG 20251229 WA0005

 

الكاتب إسماعيل أبوزيد

 

وصل حسن أمام باب شقته الخشبي، أمسك بالمقبض النحاسي اللامع، أدخل المفاتيح الفضية، ودفع الباب إلى الداخل. خطا خطوة واحدة، ثم أغلقه براحة يده اليسرى ليطوي خلفه نهارًا مُرهقًا.

خلع حذاءه الأسود المصنوع من الجلد، واستسلم للأريكة المكسوّة بتلبيسة نبيتيه داكنة.

ما إن دوّى صوت الباب حتى هرعت أم أحمد من المطبخ إلى صالة الشقة. كانت قد أعدّت عدس الشتاء المعتاد، بخبزه المُحمّص، وشرائح البصل المغموسة بعصير الليمون، وباقة الجرجير الأخضر الطازج… وكلنا يعرف ما للجرجير من مكانة خاصة عند حسن.

قالت بابتسامة دافئة: حمد الله عالسلامة.

ردّ وهو يزفر: الله يسلمك.

اقتربت أكثر وسألته: طمّني… عملت إيه النهارده؟

قال وهو يهبط بجسده إلى الأريكة: يوم مشاكل وأكشن.

تأمّلته بدهشة: خير يا رب… إيه اللي حصل؟

قال: ولا حاجة يا ستي… وأنا في الشغل حصلت مشكلة مع واحد صاحبي.

كان بيركن عربيته، والسايس—صاحب الشارع، لا أدري بأي حق—ما عجبوش المكان.

دار الكلام، وارتفعت الأصوات، ثم اشتعل الموقف حتى انتهى باشتباك بالأيدي. سايس لا يرضيه إلا أن يظل المكان فارغًا، أملًا في رزقٍ يأتيه من جيوب المارّة، أتاوة بلا معنى، يتباهى بها وكأن الشارع إرث أبويّ، لا منفعة عامة.

وصديقي لم يقتنع. قال إن الشارع للجميع، ليس ملكًا لأحد، ومن أنت لتمنعنا من الوقوف هنا أو هناك؟ تشاجرا، أُصيب، فاصطحبته إلى المستشفى، ثم حرّرنا محضرًا ضد ذلك… الفتوة.

صمت حسن لحظة، ثم قال متعجبًا: هو لِمَ هذه الإتاوة في شوارعنا؟ وإلى متى؟

إلى متى نرى الفتونة تحكم الأرصفة؟ ومن الذي ابتدع هذه الفتنة في طرقاتنا؟

وبعد أكلة العدس التي مدّت جسده بدفءٍ يناسب برد الشتاء، وقبل أن يتجه إلى شرفة منزله في الدور الأول، المطلة على الشارع الضيق، تمنى حسن—ولو لمرة واحدة—أن تمرّ عيناه على شارعٍ خالٍ من السايس، بلا إتاوة، بلا فتونة.

 

 

 

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *