الكاتبة وئام التركي
كانت ليلى تحمل مصباحًا صغيرًا في يدها، تسير بحذر في شارع ضيق تحت ضوء القمر الباهت. الرياح تعصف بأوراق الشجر وتصدر همسات وكأنها تحذرها من شيء ما، لكن فضولها وحبها للاكتشاف دفعاها للاقتراب من بيت قديم مهجور معروف بالرعب والغموض.
البيت كان أكبر مما تخيلت، جدرانه متشققة، الطلاء يتقشر، والأرضية تصدر صريرًا مع كل خطوة. الأثاث متعفن، وكأن شيئًا حيًا يتحرك داخله، والهواء داخله ثقيلاً، مليئًا بالظلال والهمسات التي تتسلل في رأس ليلى.
دخلت الغرفة الأولى، والمصباح يهتز في يدها. فجأة، سمعت مواءً خافتًا. التفتت لترى قطة سوداء تحدق بها بعينيها المتوهجتين في الظلام.
قالت ليلى بصوت مرتجف:
“مَن هناك؟ هل… هل أنتِ حقيقية؟”
القطة رفعت ذيلها ببطء، وبدأت تمشي نحو الممر المظلم، والمصباح يهتز أكثر. كل خطوة تخطوها جعلت صمت البيت أكثر كثافة، وكأن الجدران نفسها تتنفس معها.
ثم سمعت همسات غامضة تتسلل إلى رأسها:
“لا تقتربي… لا تلمسي الباب…”
ارتجفت ليلى:
“مَن يقول هذا؟”
صمت البيت للحظة، ثم بدأت الظلال على الجدران تتشكل إلى وجوه مشوهة تتحرك بحرية. القطة هزت رأسها وكأنها تقول:
“الآن بدأت اللعبة.”
اقتربت ليلى من باب قديم لم تره من قبل، والمصباح يهتز أكثر من الخوف. عندما فتحته، وجدت غرفة مظلمة مليئة بأثاث مكسور، صور مشوهة على الجدران، ومرآة كبيرة تعكس وجوهًا مشوهة وليلى لا تعرف أيها حقيقي. فجأة، أغلق الباب خلفها بقوة، والهمسات ازدادت حدّة:
“لقد دخلتِ… ولن تخرجي قبل أن تعرفي السر…”
في زاوية الغرفة، رأت شخصية عجوز مشوهة، ترتجف وتلوح بيدها، تطلب المساعدة، لكن أظافرها الطويلة كادت تهجم على ليلى. لاحظت أن القطة السوداء تتحرك بشكل غريب، وكأنها تتحول إلى العجوز نفسها.
السرير في الغرفة بدأ يتحرك ببطء، وكأن شيئًا حيًا داخله، والمرآة تعكس وجوهًا مختلفة كل ثانية، بعض منها يشبهها، وبعضها مشوه بشكل مرعب. الظلال حولها بدأت تتحرك أسرع، والهمسات تعالت:
“لقد رأيتِ الحقيقة… والآن عليكِ أن تعرفي…”
وفجأة، انقطع المصباح، وغمر الظلام الغرفة بالكامل. مع الظلام، تعالت ضحكات وقهقهات مخيفة من كل زاوية، وأصوات تكسير الزجاج تحيط بها، والظلال تتحرك بحرية أكبر من أي وقت مضى.
صرخت ليلى، تحاول الركض، لكن كل خطوة تجعل الضحكات والهمسات أقوى، والظلال تحاصرها. شعرت بيد القطة/العجوز تلمس كتفها، وبرودة غريبة تسري في جسدها كله، وكأن روحها تتجمد.
في لحظة يأس، تذكرت ليلى المعوذات التي كانت تحفظها منذ الصغر. حاولت قراءة المعوذات بصوت عالٍ:
“قل أعوذ برب الفلق… قل أعوذ برب الناس…”
لكن فجأة شعرت بثقل على لسانها، كل كلمة تكاد لا تخرج، وكأن شيئًا ما يمنعها من الكلام. قلبها يخفق بشدة، والظلال تتقرب أكثر. حاولت المقاومة، وضغطت على نفسها لتكمل القراءة رغم الثقل، ومع كل كلمة بدأت الظلال تتراجع ببطء، والضحكات والقهقهات تخفت تدريجيًا.
القطة جلست صامتة، عينيها تتوهجان بعنف، وكأنها تختبر قوة ليلى، وتنتظر اللحظة التالية. ثم شعرت ليلى بهدوء غريب يغمر جسدها النحيف كله، وكأن شيئًا ما يسيطر عليها. أغمضت عينيها وغرقت في الظلام، فاقدة الوعي، مع همسات القطة:
“لن تخرجي… حتى تعرفي كل الأسرار…”
استفاقت ليلى بعد وقت غير معلوم، المصباح في يدها يضيء برفق، لكنها لم تعد تعرف إذا كان ما عاشته حلمًا أم حقيقة.
ثم، في لحظة الصدمة الكبرى، رفعت عيناها لترى العجوز معلقة من السقف، مشنوقة، عيناها مفتوحتان، وجسدها مقلوب في الظلام. لم تصمد ليلى من الرعب، وأغمضت عينيها ثانية، وفقدت وعيها للأبد.
ومنذ تلك اللحظة، لم يُرَ أحد ليلى مرة أخرى. والبيت المهجور أصبح رمزًا للرعب والغموض الذي يلاحق كل من يقترب. كل من يسير في طريقه ليلاً يرى شيئًا مختلفًا:
أحيانًا ليلى واقفة على العتبة،
أحيانًا العجوز المشنوقة نفسها،
وأحيانًا القطة السوداء بعينيها المتوهجتين.
الكيان يتحول دائمًا، والهمسات والضحكات لا تهدأ، والظلال تتقافز في كل زاوية. أي شخص يمر بالطريق المؤدي إلى البيت يفر مذعورًا، يشعر بثقل على صدره وهدوء غريب يغمر جسده، وكأنه يسمع همسات القطة تقول:
“لن تخرجي… كما لم تخرجي ليلى…”
وفي النهاية، كل ظل وكل همسة تحمل ليلى التي تراقبك الآن من الظلام، تتحول بين البنت، العجوز، والقطة، لتبقى أسطورة رعب حيّة في كل مكان، لا تنتهي أبدًا.
![]()
