...
IMG 20260122 WA0041

 

الكاتبه مريم زيدي

 

تحرّرتُ منك… حرّرتُ نفسي…

من كل قيدٍ قيّدتُ به نفسي لأغدو حُرّةً من بعد اليوم، بعد أن سجنتُ داخلك.

ما أجمل أن تحرّر نفسك بنفسك… أن تطلب روحك الحرية…

غريب؟ أجل، ولكنّها غرابة فلسفية تكمن في شعورٍ باطني، مصدره إنسانٌ يقبع داخلك، شخصٌ يحمل إحساسك الباطني المرهف، لا يستطيع التواصل إلّا معك. والعجيب في الأمر أنّه يخاطبك دون واسطة؛ فهو مستقلّ عن الوجدان والعقل، ليحدّثك بلغة عميقة، لغة علوية نقية، بكلماتٍ لذيذة أحيانًا تحمل معها حلاوة الحياة، وأحيانًا مُرّة كالقهوة، لكنها منبِّهة محفِّزة، تجعلك تُبصر بواطن الأمور ببصيرتك، لا بعينٍ مفتونة مسدولٍ فوقها غشاء السطحية، ولا بقلبٍ نُصبت داخله أرجوحة المشاعر لتتأرجح بين خيط الشعور ونقيضه، ولا بقلبٍ يتوسّطه ميزان الصواب والخطأ.

فالحياة ليست محاكمةً لنصرة المظلوم ومحاسبة الظالم، وليست بتلك الوضوح والبساطة، فهي عميقة بعمق سبع أرضين.

أدركتُ أنّ نضج الإنسان لا يكمن في موازنته بين العقل والقلب، بل في وصوله إلى روحه، ولا في كبح جماح شهواته ورغباته، بل في التعامل معها بطريقة روحية.

يمكن قتل القلب بالقسوة، ويمكن قتل العقل بالعاطفة، ولكن جوهر الروح خالد لا يموت. هي ثابتة في مواقفها وقراراتها، حتى في مشاعرها. كلّما أدركها الإنسان باكرًا، كلّما كان أكثر نضجًا، أكثر عمقًا، كلّما وصل إلى الأعماق دون الغرق. فهي طوق النجاة من الخطر، وخريطة الطريق في الضياع.

هي خالقة الحب؛ أنشأته، ربّته في مهد الوجود، ليسرقه القلب وينسبه إليه، ليطمس الروح، ليقتلها ويحرقها بنار سمومه وأوهامه. فالروح هي أصل الحياة. كلّنا نحمل روح مولانا، نفخ فينا من روحه المقدّسة، فالكلّ يحمل روح الله، ولكن لا يصل الكلّ إليها، فهي مخبّأة محفوظة في سابع جوفٍ داخلنا.

الروح هي الجذور، هي بداية الخلق، هي موطن كل امرئ، هي الأم، هي تراب الانتماء، هي حقيقة الإنسان؛ حقيقة يخفيها كلٌّ من القلب والعقل، لنبقى في تأرجحٍ بينهما: إمّا أن نختار الحب أو اللا حب، والأصحّ أن نختار الحقيقة أو الوهم.

تحرّرتُ منك أيّها القلب، حرّرتني روحي اليوم، روح الخالق. وصلتُ إلى حقيقةٍ عميقة… عميقة… عميقة… بعد أن أعياني الهوى المغلوط، والمشاعر الكاذبة الملفّقة الواهية المُدنّسة.

تحرّرتُ من عقلٍ أراد أن يقتل الشغف، أن يصيّرني، أن ينحتني، أن يُخفي عيوبي، أن يُدخلني في رحلة… في طريقٍ للجنون… للموت… للفناء… للعدم… للاختفاء… للفراغ… للّانهاية… لطريقٍ حالكةٍ مظلمةٍ مخيفة.

لتنتشلني يد الروح، وتحملني نحو نور… بريقٍ يعمي البصر، يخترق الكيان، لكنه يوقظ البصيرة من سبات، يُخرج الروح من شرنقة النمو، لتعلن استعدادها لقيادة المركبة، لتزرع بذرتي في حقولها، وتحدّد بداية لجذوري؛ تزرعني في تربة الجنوب، تظلّلني بشمس الوسط، وتسقيني بغيث الشمال، تزرعني بين أشجار النخيل لأصبح شامخة، وبين أشجار الزيتون لأصبح معطاءة، في قمّة الجبل لأمسي بعيدة عن سطحية الأرض، وأمسّ عمق السماء، قريبة من العرش، بعيدة عن القبر.

فالروح مكانها نور السماء… لا ظلمة القبر… القلب.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *