...
IMG 20260125 WA0354

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

في غرفة أنيقة ذات طابع أنثوي ناعم، تقلّب صفحات كتيّب صور؛ صوت طقطقة الوريقات يمر سريعًا، علامات الشرود والتشتّت على ملامحها، عين زائغة تبحث عن شيء غير موجود، حركات استنكارية لا إرادية؛ تفيق متنهدة حين يلتقط نظرها تلك الصورة لها بصحبة أحد الأشخاص.

منضدة حمراء حولها مقاعد مزيّنة بقلوب حمراء مصنوعة من شرائط حريرية ناعمة، حين نقترب نجد فتاة شابة عشرينية تجلس على رأس المنضدة، وشاب ثلاثيني في الطرف الآخر يضع علبة هدايا قيّمة أمامها، يبدأ حديثه ودودًا معها ويتجاذبان أطرافه؛ حتى يصلوا لنقطة محددة ليتجه النقاش إلى جانب آخر مظلم مليء بالشجار، يتركها ويرحل. أغلقت الكتيّب بعنف، وكأنها تحاول سجن تلك الذكرى بين صفحاته، لكن ضجيج الصمت في الغرفة كان أعلى من صوت اصطدام الورق. تراجعت بظهرها لتستند إلى مقعدها الوثير، بينما لا تزال صورة “العلبة المخملية” عالقة في ذهنها؛ لم تكن مجرد هدية، بل كانت فخًّا من التوقّعات التي انكسرت على صخرة الواقع.

تذكّرت كيف تحوّلت ملامحه الودودة فجأة إلى قناع من الجمود، وكيف أن الكلمات التي بدأت كهمسات عذبة، انتهت كشظايا زجاج تجرح كرامتها. رحيله لم يكن مجرد خروج من باب مطعم مزيّن بالقلوب، بل كان انسحابًا أحدث فجوة في جدار ثقتها بنفسها.

نظرت حولها إلى غرفتها؛ كل قطعة ديكور أنيقة اختارتها بعناية كانت تبدو الآن باهتة، كأنها “ديكور” لمسرحية انتهت قبل أوانها. نهضت من مكانها، اقتربت من المرآة، وتأملت وجهها الشاحب. تلك الفتاة العشرينية التي كانت تبتسم في الصورة لم تعد تشبهها تمامًا؛ شيء ما في نظرتها انطفأ، وشيء آخر —أكثر حدّة وقسوة— بدأ يتشكّل.

فتحت درج مكتبها، وألقت بالكتيّب في أقصى زاوية مظلمة. لم تبكِ، بل اكتفت بلمّ شتات فكرها وهي تتمتم بصوت خافت: “بعض الهدايا نفعها في استردادها، لا في اقتنائها”. عادت السكينة للغرفة، لكنها كانت سكينة ما بعد العاصفة، حيث يبدأ كل شيء في إعادة الترتيب من جديد.

ابتسمت بخجل وهي تلمس شريط الحرير، لكن ابتسامتها تجمّدت حين استطرد بلهجة تغيّرت نبرتها فجأة: “لكن يا سارة، هذه المرحلة تتطلّب منكِ التخلّي عن طموحاتكِ المهنية الصغيرة.. أريدكِ متفرّغة تمامًا لما هو قادم، لبيتنا.. لي أنا فقط”.

ساد صمت ثقيل، قطعه صوت تنفّسها المتسارع وهي تسأل بذهول: “تخلّي؟ أنت تسمّي سنوات دراستي وتعييني (طموحات صغيرة)؟”.

انفجر النقاش كبركان خامد؛ تحوّل الود إلى حدّة، وارتفع صوته قائلًا: “أنا أوفّر لكِ حياة لا يحلم بها أحد، لماذا التمسّك بأوهام الاستقلال؟”. لم تنتظر ردًّا، بل دفعت العلبة نحوه بقوة أدّت لاصطدامها بكأس الماء.

نظر إليها بنظرة أخيرة باردة، لم ينطق بكلمة، بل نهض وسحب معطفه، تاركًا إياها وسط القلوب الحريرية التي بدت الآن وكأنها حبال تخنق المكان. رحل، وترك خلفه هدية لم تُفتح، وقصة حُسمت قبل أن تبدأ.

بعد مرور عدة أشهر، لم تعد الغرفة الأنيقة مجرد مخبأ للذكريات الباهتة، بل تحوّلت إلى ما يشبه “صومعة” لإعادة الاكتشاف. سارة الآن تجلس أمام شاشة حاسوبها، الضوء الأبيض المنبعث منه ينعكس على وجهها الذي استعاد نضارته، لكنها نضارة تخلو من السذاجة القديمة.

أصبحت حركاتها أكثر ثباتًا؛ لم تعد تلك “العين الزائغة” تبحث عن شيء مفقود، بل باتت مركّزة على أهداف حقيقية. تخلّصت من تلك المنضدة التي تذكّرها بلون المطعم المشؤوم، واستبدلتها بمكتب خشبي بسيط يفيض بالأوراق والمخططات. أدركت أن الفراغ الذي تركه رحيله لم يمتلئ بالحزن كما ظنّت، بل امتلأ بذاتها التي كانت قد نسيتها في زحام محاولاتها لإرضائه.

أحيانًا، تمر لحظات من الحنين المباغت، لكنها لم تعد تدفعه بالإنكار، بل بابتسامة سخرية هادئة. حين تنظر إلى مرآتها الآن، لا ترى فتاة انكسرت لأن أحدهم لم يقبل طموحها، بل ترى امرأة اختارت نفسها حين وُضعت في ميزان المقايضة. لقد تعلّمت أن الأناقة الحقيقية ليست في ديكور الغرفة أو شرائط الحرير، بل في القدرة على قول “لا” حين يكون الثمن هو روحها.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *