الكاتب حسين العلي
الساعة الثالثة وخمس وأربعون دقيقة فجراً.
يعرف عمار ذلك لأن عينيه التصقتا بالشاشة الزرقاء المنيرة لهاتفه في اللحظة التي تغير فيها الرقم. كان مستلقياً على ظهره، ذراعه اليسرى تحت الوسادة المتكتلة التي لم يعد يقلبها منذ شهور، واليمنى ممدودة على صدره والهاتف في كفّها.
كانت الغرفة ساكنة إلى حدٍّ مؤلم، سكونٌ له صوتٌ خفيٌّ يشبه طنيناً بعيداً لا يُدرى مصدره، النافذة نصف مفتوحة، والستارة ترتجف ارتجافاً خفيفاً كأنها تتنفس عنه. الهواء باردٌ قليلاً، لا يكفي ليُنعش، ولا يبرد بما يسمح بالنوم.
حدّق في الرقم الجديد: ٣:٤٥.
لا شيء يتغير، إلا الأرقام.
أطفأ الشاشة.
عاد الظلام دفعةً واحدة، كثيفاً، كأنه كان ينتظر الإشارة لينقضّ. حاول أن يغمض عينيه، لكن جفنيه كانا خفيفين أكثر مما ينبغي، كأن النوم فقد ثقته به. بعد ثوانٍ قليلة، عاد الضوء الأزرق يشتعل. ٣:٤٦.
ومع ذلك، كان يحمل الهاتف كما يحمل شخصٌ يدَ آخرَ في غرفة انتظار باردة.
قلبه لا يخفق بسرعة، لكنه لا يهدأ أيضاً. شيءٌ ما داخله يقظٌ على نحوٍ غير مريح، كأن ذهنه قرر أن يعيد عرض مشاهدٍ قديمة دون إذنه.
في زقاق ضيق من أزقة المدينة ، حيث تتعانق البيوت كأنها تتقي شرَّ الرياح والأقدار، كان ثمة بيت لا يمتاز عن جيرانه بشيء سوى أنَّ نورَه كان يظلُّ متَّقدًا حتَّى مَطلَع الفجر. لم يكن ذلك الضوء صادرًا عن مصباح ، بل كان وهجًا يتسرَّب من غرفة في الطابق العلوي، من خلف نافذة لا تُسدَل ستائرها أبدًا.
هناك، كان عمار يجلس.
كلَّ ليلة، منذ ثلاث مئة وستة وأربعين يومًا، كان يجلس على الكرسيِّ ذاته، ذلك الكرسيُّ الذي حفظت ذاكرتُه انحناءةَ ظهره. أمامه النافذة المُطِلَّة على الزقاق ، وخلفه سريرٌ خالٍ لم يعرف امرأةً قطُّ، وإلى يمينه منضدة صغيرة فوقها صورةٌ مؤطَّرة لامرأة تبتسم. كانت هديل في تلك الصورة تنظر إلى مكان خارج الإطار، إلى مستقبلٍ لم يعد له وجود.
في تلك الليلة، كان المطر يضرب الزجاج بعنف من يحاول اقتحام حصن منيع. أخذ عمار يُحدِّق في تعرُّق النافذة، كيف يتجمَّع البخار ثم ينزلق في قطرات تُحاكي في مسارها دموعًا لا تملُّ التكرار. وضع كفَّه على الزجاج البارد، فشعر للحظة أنَّ بينه وبين هذا الليل قرابةً ما، وأنهما شريكان في عبء لا يُحتمل.
“ما ذنبُ الليل أن أفزعه أنينُ العاشقين؟”
همس بها همسًا بالكاد سمعه، ثم أدرك أنه لم يعد يدري أَيُخاطب الليل أم يخاطب هديل أم يخاطب ذلك الجزء الميت منه الذي ما يزال ينزف.
كان اللقاء الأول أشبه بمعجزة صغيرة وقعت في وضح النهار. في مكتبة ما في المدينة، حيث كانت هديل تبحث عن ديوان شعر نادر، وعمار يُقلِّب كتابًا في الفلسفة لا يدري لِمَ اختاره. تداخلت أيديهما على الرفِّ ذاته، فاعتذرت هي وتراجع هو، لكنَّ الكتب سقطت. انحنى كلاهما ليلتقطها، فتصادمت رأساهما. ضحكت هي أولاً، ضحكةً صافيةً كجرس كنيسة بعيدة، ثم ضحك هو. ومنذ تلك اللحظة، صار كلُّ شيء مختلفًا.
تزوَّجا بعد عام من خطوبة بسيطة لم تشهد أكثر من نزهات في شوارع المدينة وجلسات على مقاهيها التي تعزف الموسيقى الهادئة. كان عمار مهندسًا يعمل في مشاريع البناء، وكانت هديل معلِّمة رسم في مدرسة ابتدائية. لم يكونا غنيَّين، لكنهما كانا يمتلكان من الوقت ما يكفي ليصنعا من التفاصيل الصغيرة احتفالات يومية.
في صباح يوم الخميس، قبل ثلاث مئة وسبعة وأربعين يومًا، ودَّع عمار زوجته كعادته. كانت تقف على عتبة الدار ترتدي معطفها الأزرق الذي كان يُطيل النظر إليه لأنه يذكِّره بلون البحر في يوم صافٍ. قبَّل جبهتها، فشمَّ رائحة الياسمين التي كانت تضعها خلف أذنيها. قال لها: “سأعود مبكرًا، ربما نذهب إلى نزهة خفيفة.” ابتسمت وقالت: “ربما.”
لكنَّ القدر كان قد خطَّ مسارًا آخر لذلك اليوم.
في الزاوية القاتلة من شارع الكنيسة، حيث كانت هديل تعبر إلى الرصيف المقابل، انحرفت سيارة مسرعة. لم يرَ أحدٌ وجوه الركَّاب، ولم يعثر التحقيق على أكثر من لوحة معدنية مزوَّرة. كل ما تبقَّى من هديل كان حذاءَها الأيمن، وحقيبتَها البنية التي تناثرت محتوياتها على الأسفلت، ودفترَ رسمٍ صغيرًا ظلَّ مفتوحًا على صفحة لم تكتمل.
رسمت فيها رجلاً يجلس أمام نافذة، يُحدِّق في الليل.
في الأيَّام الأولى، لم يبكِ عمار. جلس في غرفة المعيشة يُحدِّق في الجدار بلا حراك، يرفض الطعام، يرفض الحديث، يرفض التعزية التي كانت تأتيه في مواكب لا تنقطع. كانت أمه تجلس إلى جانبه، تمسك بيده الباردة، تردِّد أدعية لم تكن تسمعها هي نفسها من كثرة البكاء. وكان أبوه يقف على باب الغرفة عاجزًا عن اختراق ذلك الصمت الذي صار كجدار من حجر.
في الليلة الثالثة، بعد أن غادر المعزُّون، نهض عمار فجأة. صعد الدرج إلى غرفتهما، فتح النافذة التي طالما أحبَّت هديل أن تبقى مفتوحة لتسمع أصوات المدينة، وجلس على الكرسيِّ . ومنذ تلك الليلة، لم يعد.
كلَّ مساء، كان عمار يُعدُّ لنفسه قهوةَ هديل. كانت الوحيدة في البيت التي تشرب القهوة بلا سكَّر، وتضع عليها رشَّة هالٍ خفيفة، وتُقلِّبها سبع مرَّات قبل أن تحتسيها. تعلَّم عمار تلك الطريقة بعد زواجهما بشهر، حين أصرَّت أن تعدَّ له قهوته بنفسها. قال لها إنه لا يشرب القهوة، فضحكت وقالت: “ستشربها الآن.”
فصار يشرب القهوة بلا سكَّر، ويضع عليها رشَّة هال، ويُقلِّبها سبع مرَّات.
كان يقول في سرّه إن الأمر لم يكن قهوة، بل تدريباً خفياً على المحبة؛
أن تتنازل عن مذاقٍ اعتدتَه، وتستبدله بآخر لأن يدًا ما أحبّت أن تراك تشاركه الطقس.
في البدء كان يتظاهر بالتذمّر.
يرشف رشفةً صغيرة، يقطّب حاجبيه، ويقول إنها مُرّة أكثر مما يحتمل.
فتضحك، وتقول إن المُرّ الحقيقي هو أن تعيش بلا شيء يوقظك.
ثم تميل نحوه وتهمس: “القهوة لا تُشرب، تُفهم.”
لم يفهم يومها ما الذي يمكن فهمه في سائلٍ أسود يترك في الفم أثراً حاداً.
لكنه بعد أشهر، صار يميز فرقًا طفيفًا في رائحة الهال إن زادت ذرّةً واحدة.
وصار يعرف أن التقليب سبع مرّات ليس خرافة صغيرة، بل إيقاع.
أن الملعقة وهي تصطدم بجدار الفنجان تصنع موسيقى بيتٍ آمن.
كانت تعدّ الفنجانين معاً.
تضعهما على الطاولة الصغيرة قرب الشرفة، وتفتح النافذة قليلاً كي يمرّ هواء المساء.
ثم تجلس قبالته، لا تتكلم كثيراً، فقط تحتسي ببطء كأنها تمنح الوقت فرصة ليتباطأ.
كان يحبّ تلك اللحظات التي لا يحدث فيها شيءٌ استثنائي،
لأن الاستثنائي، كما قالت مرة، يُتعب القلب إن تكرّر.
بعد رحيلها، ظلّ عمار يُعدّ فنجانين.
في الأسابيع الأولى كان يفعل ذلك سهوًا.
يصبّ القهوة في فنجانين متجاورين، يرشّ الهال على كليهما، ويقلّب سبع مرّات لكل واحد،
ثم يجلس، وحين يمدّ يده ليرفع فنجانها، يتوقف.
تبدو الحركة معلّقة في الهواء، كأنها لا تعرف إلى أين تذهب.
كان الفنجان الثاني يبرد سريعاً.
يتركه أمامه حتى تخفّ رائحته، وحتى تتشكّل على سطحه طبقة خفيفة،
ثم ينهض ويُفرغه في المغسلة دون أن ينظر إليه.
في مرةٍ ما، جرّب أن يُعدّ فنجاناً واحداً فقط.
وقف في المطبخ طويلاً، الملعقة في يده، كأنها تسأله عمّا يفعل.
رشّ الهال بتردّد، ثم قلّب سبع مرّات كما اعتاد.
لكن صوت الملعقة في الفنجان الوحيد كان ناقصاً،
كأن الصدى الذي كان يملأ المكان قد انسحب فجأة.
جلس في الشرفة، وحده، والفنجان بين يديه.
ارتشف رشفة.
كان الطعم كما هو، لا سكر، ورشّة هال خفيفة،
لكن شيئاً في الداخل لم يستجب كما كان يفعل.
تذكّر يوم قالت له إن الأشياء الصغيرة هي التي تُبقي الزواج حيّاً
الطريقة التي يُغلق بها الباب،
النظرة التي تُفهم دون كلام،
القهوة التي تُقلّب سبع مرّات بلا سبب ظاهر.
لم يكن قد سألها يوماً لماذا سبع مرّات تحديداً.
كان يظنّ أن السؤال قد يُفسد سحر الرقم.
الآن فقط خطر له أن يعرف،
لكن السؤال صار بلا عنوان.
في تلك الليلة، لم يستطع النوم. ليس لأنه ظلَّ يفكِّر في هديل، بل لأنه للمرَّة الأولى منذ رحيلها، فكَّر في نفسه. مَن هو عمار بغير هديل؟ وما مقدرةُ القلب على احتمال الألم إن كان هو من يزرعه فينا؟
في الليلة الثلاث مئة والثامن وأربعون، وقع أمرٌ غريب. كان عمار كعادته جالسًا أمام النافذة، والمطر يهطل كالمعتاد، والليل يغشى المدينة بظلامه المعتاد، إذ لاحظ أن أنفاسه ترسم على الزجاج شكل قلبٍ صغير. دهش. لم يفعل ذلك منذ كان مراهقًا. محا الشكل بكُمِّ قميصه، لكنه عاد فظهر من جديد.
تذكر كلُّ تفاصيل صغيرة كادت تُمحى من ذاكرته لولا أنه سطَّرها: طريقة ضحكها حين تنسى مفاتيح الدار، رائحة عنقها بعد الاستحمام، صوت أنفاسها الهادئ وهي نائمة، عادة عضِّها شفتها السفلى إذا ركَّزت في الرسم.
قام يتمتم
أيُّها الليل، إنك بريء. أنت لا تفعل سوى أن تأتي في موعدك المقدَّر، تحمل ظلامك الذي لا يريد إلا راحة العيون من تعب النهار. لكنَّ البشر يحمِّلونك فوق طاقتك، يُلقون عليك أحزانهم كما يُلقون الجثث في مقابر جماعيَّة، ثم يتَّهمونك بالقَسوة والوحشة. وأنا، أيُّها الليل، واحد من هؤلاء الجناة الذين يظلمونك ثم يبكون على جرائمهم.
نظر إلى الصورة على المنضدة. كانت هديل تنظر إلى مكان خارج الإطار. تذكَّر فجأة أنها كانت تنظر إليه حين التُقِطت الصورة. كان واقفًا إلى يسار المصوِّر، ينتظر أن تنتهي من الجلسة ليذهبا معًا إلى البحر. التُقِطت الصورة وهي تبتسم له، لا للكاميرا.
يا إلهي… طوال هذه المدَّة كنت أنظر إلى الصورة وأتوهَّم أنها تنظر إلى مكان آخر، إلى موت مبهم، إلى غياب مجهول. لكنها كانت تنظر إليَّ. أنا هو المكان الآخر. أنا هو الغياب.
ظلّ واقفًا أمام الصورة كما لو أنّها مرآةٌ متأخرة،
مرآة لا تعكس ملامحه، بل تكشف موقعه في حياتها.
كيف يمكن للذاكرة أن تُضلّل الإنسان كل هذه السنوات؟
كيف أقنع نفسه بأن نظرتها كانت شاردة، حزينة، موجهة إلى شيءٍ أبعد؟
أكان أسهل عليه أن يصدق أنها كانت تنظر إلى العدم،
من أن يعترف أنها كانت تنظر إليه…
ثم مضت؟
ظلت تلك النظرات معلَّقة في ذاكرته كصورةٍ لم يجفّ حبرها، غير أنّها ما برحت تضرب في رأسه بإيقاعٍ رتيب، كمنقار طائرٍ عنيدٍ ينحت الخشب حتى يبلغ القلب.
ظلّ واقفًا أمام الصورة، لكن الوقوف هذه المرة لم يكن تأمّلًا، بل محاكمة.
كان يشعر أن عينيها لا تنظران إليه فقط، بل تستجوبانه.
لا تسألانه عن الحادث، بل عن ما قبله.
عن تلك المسافات التي تنشأ بين شخصين وهما في الغرفة ذاتها.
مدّ يده نحو الإطار، ثم تراجع.
خاف أن يلمسه فيسقط،
كما سقط كل شيء دون صوتٍ تحذيري.
كيف استطاع أن يقضي عامًا كاملًا وهو يظنّ أنها تنظر إلى الفراغ؟
أكان يحتاج إلى أن يراها ميّتة كي يراها حقًا؟
جلس على الأرض.
ظهره للحائط، والصورة أمامه،
والنافذة خلفها تبتلع ما تبقى من المطر.
تذكّر فجأة تلك العبارة التي قالتها مرةً، وهو يحدّق في هاتفه بينما كانت تتكلم:
“أحيانًا أشعر أنني أتحدث إلى نسخةٍ منك، لا إليك.”
ضحك يومها.
قال إن العمل يُرهقه.
قال إن كل الرجال كذلك.
قال أشياء كثيرة تُغلق الحوار دون أن تُغلق الجرح.
الآن فقط فهم.
النسخة هي التي بقيت معها.
أما هو، فقد كان ينسحب تدريجيًا من الصورة،
عاد المشهد كاملًا.
الشاطئ.
الريح الخفيفة.
شعرها يتطاير قليلًا، وهي تحاول تثبيته بيدٍ وترمقه بنظرةٍ سريعة كي تتأكد أنه ما زال هناك.
كان هناك جسدًا.
لكن هل كان حاضرًا؟
أطبق كفّيه على عينيه كمن يريد أن يمنع ذاكرةً من الانفجار.
إلا أن الذاكرة لا تُمنع،
هي فقط تغيّر زاوية الإضاءة.
كان يظن أن الحادث هو الفاصل.
خطٌ أحمر يقسم الحياة إلى قبل وبعد.
لكن الحقيقة أشدّ التواءً:
الفاصل بدأ قبل ذلك بكثير،
في كل مرةٍ قال فيها “لاحقًا”،
في كل مساءٍ فضّل فيه الصمت على الإصغاء، في كل نظرةٍ لم يردّها بمثلها.
همس، لا للّيل هذه المرة، بل لنفسه:
“أنا لم أفقدكِ في الشارع…
فقدتُكِ في البيت.”
ارتعش داخله شيءٌ لم يكن حزنًا خالصًا،
بل إدراكٌ جارح،
إدراك أن الإنسان قد يكون سبب غياب من يحبّ دون أن يقصده، بمجرد أنه اعتاد وجوده.
نهض فجأة، اقترب من الصورة حتى كادت أنفه تلامس الزجاج.
تأمّل تلك الابتسامة الصغيرة،
غير المكتملة، المعلّقة بين وعدٍ وتردّد.
“كنتِ تنتظرين أن أبتسم لكِ كما ابتسمتِ لي.”
قالها ببطء،
كأن الاعتراف يحتاج إلى أن يُنطق كي يصبح حقيقيًا.
في الخارج، انقطع المطر تمامًا.
الزقاق ساكن،
والهواء مشبع برائحةٍ نظيفةٍ لا يعرف لها اسمًا.
عاد إلى الكرسي.
لم يعد يجلس كما كان يجلس كل ليلة، منكفئًا، منكسرًا،
بل جلس مستقيمًا،
كمن يقرر أن يتحمّل نصيبه من الحقيقة.
لم يعد الليل متهمًا.
ظلّ بريئًا كما هو،
يحرس المدينة بصمته،
بينما كان عمار يتعلّم متأخرًا
أن النظر إلى من يحبّ
فعلٌ لا يجوز تأجيله
وأدرك، أخيرًا،
أن أسوأ ما يمكن أن يحدث ليس أن يموت من نحبّ،
بل أن يموت انتباهنا إليهم…
وهم ما يزالون أحياء.
![]()
