...
IMG 20260225 WA0094

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

في الطابق العلوي من قصر “آل غراب”، حيث الهواء ثقيل برائحة الورق العتيق وشمع النحل، جلس “أدريان” أمام طاولة خشبية نخرها السوس. كانت الشموع ترتجف، ليس بفعل الريح، بل كأنها ترتعد خوفاً مما يربض فوق الطاولة: مجلد ضخم مكسو بجلدٍ أسود خشن، نُقش عليه بذهبٍ باهت عبارة “Dark Fantasy”.

لم يكن هذا مجرد كتاب قصص، بل كان “سجل الأثمان”. فتحه أدريان، ففاحت منه رائحة دماء قديمة وأرض رطبة. الصفحة الأولى لم تحمل اسماً، بل بصمة إبهام غائرة باللون الأسود تعود لجده الأكبر “سيلاس”. تقول الأسطورة العائلية إن سيلاس لم يبنِ ثروة العائلة من تجارة الحرير، بل من “مقايضة الحروف”.

بدأ أدريان يقرأ بصوتٍ متهدج. في عام 1820، كتب سيلاس فصلاً يطلب فيه الخلود لذكراه، وفي المقابل، حُكم على كل بكرٍ في العائلة أن يولد بعينين لا تريان سوى “أطياف الراحلين”. تحسس أدريان عينه اليمنى الزجاجية، وشعر ببرودة تسري في أوصاله؛ فقد كان هو الثمن الحيّ لتلك الفقرة اللعينة.

قلب الصفحة، ليرى خط جده “إلياس”. كان الخط مضطرباً، كأن يداً مرتعشة خطته. طلب إلياس “المعرفة المطلقة” لإنقاذ المدينة من وباءٍ فتاك. نال مراده، لكن الكتاب اقتطع ثمنه فوراً: فَقَدَ إلياس القدرة على نطق أي كلمة صادقة، وعاش بقية حياته يهمس بالأكاذيب حتى مات وحيداً، يغرق في بحرٍ من الحقائق التي لا يستطيع مشاركتها.

فجأة، بدأت الصفحات البيضاء في نهاية الكتاب تقلب نفسها بسرعة جنونية، وكأنها تبحث عن مدادٍ جديد. توقفت عند صفحة فارغة تماماً، إلا من سطر واحد ظهر فجأة بمدادٍ ذهبي لامع: “الآن، دورُ الوارث الأخير”.

شعر أدريان بضغطٍ غير مرئي يدفع يده نحو المحبرة. أدرك الحقيقة المرة: العائلة لم تكن تملك الكتاب، بل كان الكتاب يملك العائلة. كل رفاهيتهم، قصورهم، وأسماؤهم الرنانة لم تكن إلا طعماً ليظل هذا المجلد حياً، يقتات على أرواحهم وقصصهم المظلمة.

تناول الريشة، وبدأ يكتب.. ليس طلباً للقوة ولا للمال، بل كتب سطراً واحداً ارتجفت له جدران الغرفة: “أنا أدريان، آخر سلالة الغراب، أضعُ حداً لهذه الحكاية.. ولو كان الثمن وجودي”.

انطفأت الشموع دفعة واحدة، وتصاعد دخان أسود من صفحات الكتاب، بينما بدأ الحبر يزحف على يد أدريان كأفعى باردة، يمتص ملامحه ليحولها إلى مجرد قصة أخرى تُحفظ بين دفتي “الفانتازيا المظلمة”.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *