الكاتبه أمل سامح
الفصل الثالث: مكتبة الاحتمالات المحذوفة
لم أعد أثق في الاستيقاظ.
حين فتحت عينيّ، لم يكن البحر أمامي.
ولا الصخور.
ولا الغروب الذي علق في الزمن.
كنت واقفًا في ممر طويل بلا نهاية.
الجدران… لم تكن جدرانًا.
كانت رفوفًا.
رفوف تمتد صعودًا حتى تختفي في الظلام.
وعلى كل رف… كتب.
آلاف.
بل ملايين.
الهواء هنا لم يكن هواءً.
كان صامتًا إلى درجة أنني سمعت دقات قلبي كأنها تضرب داخل رأسي.
تقدمت خطوة.
الأرضية سوداء لامعة، تعكسني بوضوح…
لكن انعكاسي تأخر نصف ثانية.
تجمدت.
همست:
“أنا أحلم.”
جاءني صوت من بعيد…
هادئ، أنثوي، مألوف:
“لو كان حلمًا… لما كنت خائفًا إلى هذا الحد.”
استدرت.
لم أرها.
لكنني شعرت بها.
وجودها هنا أقوى من وجودها في البحر.
اقتربت من أقرب رف.
مددت يدي إلى كتاب عشوائي.
على الغلاف اسمي.
فتحته.
الصفحة الأولى تقول:
“في هذه النسخة، لم يذهب إلى البحر في ذلك المساء.”
قلبت الصفحة.
“لم يرَ وجهها.”
قلبت التالية.
“نسيها تدريجيًا.”
أغلقت الكتاب بعنف.
اختنق صدري.
مددت يدي إلى كتاب آخر.
“في هذه النسخة، قرأ حتى الصفحة الأخيرة.”
ترددت.
لكنني فتحته.
الصفحات الأولى كانت مألوفة.
الغروب.
النسخة الأخرى.
السقوط في الفراغ.
ثم وصلت إلى فصل لم أعشه بعد.
“عند الصفحة الأخيرة، سيختار التضحية بها لينقذ النسخة الأصلية من نفسه.”
توقف نفسي.
“النسخة الأصلية.”
كررت العبارة في ذهني.
من هو الأصل؟
صوت خطوات خلفي.
لكن هذه المرة… لم يكن هو.
كانت هي.
ظهرت بين الرفوف كما لو أنها خرجت من حبر كتاب.
ملامحها أقرب.
أكثر واقعية.
لكن عينيها… تحملان تعب قرون.
اقتربت.
لمست كتابًا بيدها.
فتغير عنوانه.
“هذه ليست مكتبة مستقبل.”
همست.
“هذه مكتبة احتمالات.”
نظرتُ حولي.
كل كتاب يحمل اسمي.
لكن في كل واحد… قرار مختلف.
خطوة مختلفة.
خسارة مختلفة.
“أين نحن؟”
أجابت:
“في المسافة بين الصفحة السابعة والثامنة.”
شعرت بقشعريرة تزحف في جلدي.
“هل أنتِ نسخة؟”
صمتت.
ثم ابتسمت ابتسامة مكسورة.
“أنا ما تبقى بعد كل نسخة.”
اقتربت أكثر.
صار بيننا نفس المسافة التي كانت بيننا قبل الحادث.
“الحادث لم يكن صدفة.”
قالتها بهدوء جعل الكلمات أثقل من الصراخ.
تراجع العالم خطوة.
“ماذا تعنين؟”
نظرت إلى أعلى.
إلى الظلام فوق الرفوف.
“كل نسخة منك كانت تحاول إنقاذي.
وكل مرة… كان يجب أن يحدث شيء يعيد التوازن.”
بردت أطرافي.
“من يعيد التوازن؟”
في تلك اللحظة…
اهتزت الأرض.
الكتب بدأت تسقط من الرفوف.
الأضواء الخافتة تحولت إلى ومضات سريعة.
وصوت عميق — ليس صوتًا بشريًا — ملأ المكان:
“لا يُسمح بتداخل النسخ.”
تجمدت.
الرفوف بدأت تتحرك.
كأن المكتبة نفسها تعيد ترتيب الواقع.
سحبتني من يدي.
ركضنا بين الممرات التي تتغير اتجاهاتها.
الكتب تتفتح وحدها.
الصفحات تتمزق.
ونسخ مني تخرج منها لثوانٍ… ثم تختفي.
صرختُ:
“ما الذي يحدث؟!”
قالت وهي تلهث:
“أنت بقيت أطول مما يجب!”
توقفت فجأة.
أمسكت وجهي بكلتا يديها.
عينها كانت تلمع بدمع حقيقي.
“اسمعني جيدًا.
إذا أردتَ أن أعيش في نسخة واحدة…
يجب أن تمحو كل البقية.”
ارتجفت.
“كيف؟”
نظرت إلى صدري.
ثم همست:
“اقرأ الصفحة الأخيرة…
ولا تتردد.”
الظلام انشق خلفها.
يد سوداء ضخمة — بلا ملامح — خرجت من الفراغ.
أمسكتها.
صرختُ باسمها.
لكن جسدها بدأ يتحول إلى حروف.
إلى كلمات.
إلى جملة واحدة فقط تتكرر:
“اختر.”
ثم…
سقط كل شيء.
استيقظتُ في غرفتي.
الساعة تشير إلى السادسة تمامًا.
الكتاب على مكتبي.
مفتوح.
على صفحة لم أرها من قبل.
وفي أعلى الصفحة مكتوب:
“في هذه النسخة… سيبدأ بالشك في أنه ليس الأصل.”
رفعتُ رأسي ببطء.
المرآة أمامي.
انعكاسي…
لم يرمش.
![]()
