الكاتبة عاليا عجيزة
في زاويةٍ منسية من زوايا هذا العالم الصاخب، وبينما تهرعُ الساعاتُ خلف بعضها البعض في سباقٍ لا ينتهي، ثمة جدارٌ قرر أن يكفَّ عن كونه مجرد حجرٍ أصم. لم يعد فاصلاً بين غرفتين، بل صار ممرّاً نحو الذات. هنا، حيث ترتسمُ تلك الأغصانُ المضيئة، لا أرى مجرد زينةٍ منزلية أو مصابيح صغيرة متراصة، بل أرى خارطةً لطموحاتي التي ترفضُ الذبول.
النموُّ في العتمة
يُعلمنا الشجر أنَّ الجذور تعملُ في صمتِ التراب لتمنحنا زهواً في الضوء، وهذا الجدارُ المشتعلُ بالألق يخبرني أنَّ أفكارنا هي بذورنا الحقيقية. حين أغلقتُ الستائر عن ضجيج الشارع، وأطفأتُ أنوار السقف الزاعقة، اكتشفتُ أنَّ الروح لا تحتاج إلى شمسٍ لتُشرق، بل تحتاج إلى بصيصٍ من شغف. تلك الأغصان الممتدة فوق أريكتي تشبهُ تماماً مساراتِ العمر؛ تبدأُ من نقطةٍ واحدة، ثم تتفرع، تميل، تنحني، لكنها في النهاية تظلُّ متجهةً نحو الأعلى، حاملةً في كلِّ انحناءةٍ منها “قنديل أمل”.
فلسفة الضوء الخفي
كلُّ حبةِ ضوءٍ على هذا الغصن هي حلمٌ صغير آمنتُ به يوماً. هناك الضوءُ الذي يمثلُ كلمةً طيبة، وهناك الذي يمثلُ نجاحاً صغيراً، وآخرُ يمثلُ دمعةً تحولت إلى قوة. إننا لا نضيءُ بيوتنا لنطرد الظلام فحسب، بل لنُذكّر أنفسنا بأننا “كائناتٌ ضوئية” في الأصل. هذا التباينُ البديع بين سمرةِ الأغصان وتوهجِ المصابيح يجسدُ صراعنا الجميل مع الحياة؛ فنحنُ وإن كنا من طينٍ وأرض (كالأغصان)، إلا أننا نحملُ في جوهرنا قبساً من سماء (كالنور).
الملاذُ الأخير
حين أجلسُ هنا، وأسندُ رأسي إلى تلك الوسائد الملونة، أشعرُ بأنَّ العالم قد تقلص ليصبح بحجم هذه الزاوية الدافئة. هنا، لا مكان لليأس؛ فكيف ييأسُ من يرى الجدارَ ينبتُ نوراً؟ كيف ينكسرُ من يحيطُ نفسه ببيئةٍ تصدحُ بالجمال؟ إنَّ الاعتناء بجمالِ محيطنا هو في الحقيقة اعتناءٌ بجمالِ دواخلنا. نحنُ لا نشتري هذه الأشياء لنملأ بها الفراغ في الغرف، بل لنرمّم بها الفراغ في أرواحنا.
إنَّ هذه الشجرة الجدارية هي رسالتي الصامتة لكلِّ عابر: “لا تنتظر أن يُضيء لك أحدهم الطريق، كن أنتَ الشجرة، وكن أنتَ الضوء، واجعل من عثراتك أغصاناً يستدلُّ بها الحائرون”. ففي نهاية المطاف، ليس الجمالُ فيما نراه بأعيننا، بل في تلك “الدهشة” التي تستيقظ في قلوبنا حين ندرك أنَّ بإمكاننا دائماً.. أن نُزهر من جديد.
![]()
