...
IMG 20260305 WA0093

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

في اللحظة التي يشتد فيها زحام العالم خارج عتبة الباب، وتصبح الأصوات ضجيجًا يثقب هدوء الروح، تبرز الحاجة إلى “ملاذ”. ليس الملاذ مجرد أربعة جدران وسقف، بل هو تلك الزاوية التي تحتضنك قبل أن تجلس فيها، وتلمسك أضواؤها قبل أن تراها عينك. هنا، في هذا الركن الهادئ، يتوقف الزمن عن الركض، ويخلع المرء عنه أثواب القلق ليتركه عند المدخل، ويدخل في حالة من “السكينة” التي تشبه طمأنينة العائد إلى بيته بعد غيابٍ طويل.

احتواء الضوء

تلك الأغصان المضيئة التي تعانق الجدار ليست مجرد زينة عابرة، إنها “أذرع من نور” تمتد لتحتوي شتات النفس. الضوء هنا لا يطرد الظلام فحسب، بل ينسجه بخيوط من ذهب ليعطي للعتمة معنىً آخر؛ معنى الهدوء الخافت الذي يريح البصر والبصيرة. حين يسقط هذا الضوء على الوسائد الملونة، يشعر المرء وكأنَّ كلَّ مصباحٍ صغير هو همسةٌ دافئة تقول: “أنت الآن في أمان”. إنه احتواء بصري ينعكس فورًا على نبضات القلب، فيجعلها تتناغم مع سكون المكان.

فلسفة الزاوية الدافئة

السكينة الحقيقية هي تلك المقدرة على الصمت وسط الضجيج، وهذا الركن يوفر ذلك الصمت المقدس. الأريكة الوارفة، والوسائد التي تبدو وكأنها تنتظر لتمسح تعب النهار عن كاهل المتعبين، كلها عناصر تشكل منظومة من “الاحتواء”. في هذه الزاوية، تصبح القراءة رحلة، وفنجان القهوة طقسًا، والتفكير في الغد مجرد غيمة عابرة لا تمطر قلقًا. الاحتواء هنا هو أن تجد مكانًا يشبهك، مكانًا لا يحاكمك، ولا يطلب منك أن تكون أي شيء سوى نفسك.

البيت كغابة من نور

حين ننظر إلى الأغصان الممتدة، نشعر بأن الطبيعة قد استأذنت لتدخل بيوتنا، لكنها لم تدخل بأوراقها الخضراء، بل بجوهرها المضيء. إنها رسالة بأن السكينة نموٌّ داخلي، تمامًا كما ينمو الضوء على الجدار. عندما نعتزل العالم في ركننا المفضل، فنحن لا نهرب منه، بل نعيد ترميم ما تهدم فينا لنواجهه من جديد بقلبٍ أكثر ثباتًا.

إنَّ السكينة هي ذلك الشعور الخفي بأنك “مكتمل” في عزلتك، والاحتواء هو أن يضمك مكانٌ ما ويشعرك بأنك جزءٌ من جماله. وفي هذا الركن، يتحد الضوء مع الظل، والنعومة مع السكون، لتولد لحظةٌ من الصفاء الخالص، لحظةٌ تجعلنا نؤمن أنَّ السعادة، في أبهى صورها، هي مجرد زاوية دافئة، وكتاب، وضوءٍ يشبه النجوم.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *