حوار: زينب إبراهيم
مجلة الرجوة الأدبية
ليس كل من يكتب يسمى كاتبًا بعضهم يصف الحروف وبعضهم يوقظ الأرواح ضيفنا اليوم لا يتعامل مع الكلمة كأداة بل ككائن حي يتنفس بين أصابعه يكتب لأنه لا يستطيع الصمت ويصمت أحيانًا لأن الفكرة أكبر من اللغة في نصوصه نلمح ظل إنسان يبحث عن المعنى في زحام الأيام ويؤمن أن الحرف الصادق قد يكون أبلغ من ألف خطبة هو كاتب يرى في الأدب مسؤولية، وفي القارئ شريكًا لا متلقيًا وفي كل صفحة بيضاء احتمالًا لولادة عالم جديد.
الاسم: علاء الجارحي
تاريخ الميلاد: نوفمبر 1973
الجنسية: مصري
المهنة: معلم رياضيات وكاتب روائي
الهواية: القراءة والكتابة والبحث في قضايا الإنسان والهوية.
1- إن كانت كتابتك عبارة عن مدينة كيف تبدو شوارعها؟
مدينتي ليست صاخبة شوارعها يغمرها ضوء خافت، وفي زواياها ضباب تأمل طويل هي مدينة تمشي فيها ببطء، لأن كل نافذة فيها تخبئ حكاية، وكل باب مغلق يحمل سرًا ينتظر من يطرقه.
2- ما الفكرة التي تخيفك كتابتها رغم إيمانك بها؟
الأفكار التي تمس المسكوت عنه دائمًا تخيفني؛ ليس خوفًا من الفكرة، بل من سطحية تناولها. أخشى أن أظلم فكرة عظيمة بكتابة غير ناضجة.
3- هل تكتب لتنجو من شيء، أم لتصل إلى شيء؟
أكتب لأفهم. أحيانًا تكون الكتابة نجاة، وأحيانًا تكون طريقًا للوصول. لكنها في جوهرها محاولة للعبور من فوضى الداخل إلى وضوح مؤقت.
4- إذا اختفت الكلمات فجأة، كيف ستعبر عن نفسك؟
سأصمت. أؤمن أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام. وربما أبحث عن شكل آخر للفن، لأن التعبير ليس حكرًا على اللغة.
5- متى شعرت لأول مرة أن الكتابة ليست هواية بل قدر؟
حين اكتشفت أنني لا أستطيع التوقف عنها، حتى في أكثر لحظات التعب والشك. حين أدركت أنني أعود إليها مهما ابتعدت.
6- أيهما أقسى عليك: الصفحة البيضاء أم النقد القاسي؟ ولماذا؟
الصفحة البيضاء أقسى. لأنها مواجهة مع الذات بلا وسطاء. أما النقد القاسي، فإن كان صادقًا، فهو فرصة للنضج.
7- هل تكتب وأنت تفكر بالقارئ، أم لترضي صوتًا داخليًا؟
أكتب أولًا لذلك الصوت الداخلي. فإن صدقته، وصل إلى القارئ تلقائيًا. القارئ يشعر بالصدق حتى لو لم يعرف تفسيره.
8- ما الجملة التي كتبتها وشعرت أنها كتبتك أنت؟
هناك جملة في نوفيلا انتهيت منها مؤخرًا بعنوان رواية لا تستحق النشر، لكنها بقيت عالقة داخلي أكثر من أي نص آخر.
كتبت فيها:
“جلستُ، وضربتُ رأسي بالحائط، ثم قلتُ لنفسي:
هل أنا كاتب؟
أم قاتل… يكتب جريمته على مراحل؟”
هذه الجملة لم أشعر أنني كتبتها، بل شعرت أنها كشفتني. لأنها تمس ذلك الصراع الخفي داخل كل كاتب: هل نحن نداوي الجراح أم نفتّش فيها؟ هل نكتب لنُنقذ، أم لنعرّي؟
في تلك اللحظة أدركت أن الكتابة ليست فعل براءة دائمًا، بل قد تكون مواجهة قاسية مع الذات، وربما مع الآخرين أيضًا.
ولذلك شعرت أن الجملة كتبتني… لا العكس.
8- لو خيرت بين الشهرة والصدق المطلق في الكتابة، ماذا تختار؟
الصدق؛ لأن الشهرة بلا صدق صدى فارغ، أما الصدق فقد يصنع خلودًا هادئًا.
9- ما السؤال الذي تتمنى أن يُطرح عليك ولم يُطرح من قبل؟
10- كيف تريد أن يذكرك قارئك بعد عشرين عامًا؟
لأن هذا السؤال يمس أثر الكاتب لا حضوره الآني.
11- هل سبق أن خانتك شخصياتك؟
نعم، وحدث ذلك بوضوح في رواية سأصدرها قريبًا بعنوان حبر في اللاوعي.
في هذه الرواية تحديدًا، لم تكن الشخصية الرئيسية مجرد كائن ورقي يتحرك وفق مخططي، بل دخلت معي في صراع حقيقي. كنت أرسم لها مسارًا محددًا، لكنها كانت تنحرف عنه بإصرار، وتفرض خياراتها الخاصة، حتى وجدتني أعيد كتابة أجزاء كاملة لأن منطقها الداخلي كان أقوى من رغبتي في التحكم.
تلك التجربة علمتني أن الشخصية حين تقاومك، فهذا يعني أنها أصبحت حية. الكاتب قد يضع البذرة، لكن إن نمت الشخصية بصدق، فلن تقبل أن تكون دمية.
في حبر في اللاوعي أدركت أن اللاوعي لا يسكن الشخصيات وحدها، بل يسكن الكاتب أيضًا… وربما كانت تلك المواجهة أجمل أشكال “الخيانة” الإبداعية.
12- كيف تتعامل مع فترات الجفاف الإبداعي؟
لا أقاومها بعنف. أقرأ، أراقب، وأنتظر. الجفاف أحيانًا ليس غيابًا للإبداع، بل تخميرًا له.
13- إن عاد بك الزمن إلى أول نص كتبته، ماذا ستقول لذلك الكاتب المبتدئ؟
لا تستعجل الاعتراف، ولا تخف من الخطأ. كل نص تكتبه هو درجة في سلم طويل.
14- أي تجربة إنسانية تراها لم تُكتب بعد كما تستحق؟
الهشاشة الذكورية في مجتمعاتنا. الرجل الذي يُطلب منه أن يكون صلبًا دائمًا، ولا يُسمح له بالانكسار.
15- حين تطفئ المصباح بعد ليلة كتابة طويلة، ماذا يبقى في قلبك؟
قلق جميل. إحساس بأن شيئًا تحرر، وأن شيئًا آخر ما زال ينتظر.
16- ختامًا، ما رأيك في أسئلتنا ومجلة الرجوة الأدبية؟
الأسئلة ذكية وعميقة، تبحث في الجوهر لا السطح، وهذا ما يحترمه أي كاتب. أما مجلة مجلة الرجوة الأدبية، فأرى أنها تقدم مساحة حوار حقيقي، لا مجرد مساحة نشر، وهذا في حد ذاته قيمة كبيرة في المشهد الثقافي.
بعد هذا الحوار ندرك أن الكتابة عنده ليست رفاهية فكر بل ضرورة روح يمضي في طريقه مؤمنًا أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد الصفحات بل بعدد القلوب التي تغيّر إيقاعها بسبب كلمة صادقة هو لا يطارد الضوء بل يزرعه حيث مرّ وبين سطرٍ وآخر،
يترك لنا مساحة لنسأل أنفسنا: ماذا لو كتبنا بصدق كما يعيش؟ لعل أعظم ما يفعله الكاتب الحقيقي أنه يعلمنا كيف نقرأ أنفسنا قبل أن نقرأ كتبه؟
![]()
