حوار: زينب إبراهيم
مجلة الرجوة الأدبية
في عالم يعج بالضجيج والأصوات المتنافرة يظل الشعراء هم من يحملون نبض البسطاء ويترجمون وجعهم إلى كلمات ضيفنا اليوم الشاعر سعيد من أبناء الحارة المصرية نبت من طين الأرض الطيبة شرب من نيلها الصافي وجعل القلم صديقه الذي لا يمل من سماع شكواه هو الذي يختبئ خلف القصيدة ليبحث عن وجع الناس قبل وجعه ويرى في الكلمة نافذة أمل لكل قلب حزين حديثنا معه رحلة بين صدق الإحساس وروعة التعبير، حيث تتلاقى المشاعر مع الحكمة في أبياته.
الاسم سعيد سعيد أمام الشهير بشاعر البسطاء ابومحمد سعيد العربي.
البلد: جمهورية مصر العربية
السن: ٤٩ عام
العمل: مشرف إدارة المشروعات
الهواية كاتب اشعار بجميع انواعها
بحب الكتابة من صغر سني.
– إذا طلب منك أن تعرف نفسك بعيدًا عن الألقاب والإنجازات، كيف تصف موهبتك؟
أنا إنسان بسيط نبت من طين الأرض الطيبة وشرب من نيلها الصافي. أكتب بدمع الغلابة وأرسم ضحكتهم على الورق، أختبئ خلف القصيدة لأبحث عن وجع الناس قبل وجعي، فالشاعر بالنسبة لي صدى لصوت البسطاء في كل مكان، لا لذاتي فقط.
بالحديث عن مدينتك كيف تبدو صاخبة أم هادئة، مضيئة أم يغمرها ضباب التأمل؟
مدينتي حارة مصرية أصيلة، تعج بضجيج الباعة ودعوات الأمهات في الصباح. يسكنها رضا غريب يملأ القلوب، تشرق فيها شمس الأمل رغم المحن، ويغمرها ضوء القمر الذي يحرس أحلام المساكين الذين لا يملكون سوى الكلمة الطيبة.
ما الفكرة التي تخيفك كتابتها رغم إيمانك بها؟
أخشى الاقتراب من شعور العجز التام أمام دمعة مظلوم لا أملك له سوى قصيدة. فصدق هذا الوجع يجعلني أشعر أن الكلمات مهما بلغت قوتها تبقى قاصرة عن مداواة جرح عميق
في قلب إنسان بسيط.
هل تكتب للشعور بالنجاة أم للوصول إلى شيء؟
أكتب لأنجو من فيض داخلي كاد أن يحرق قلبي صمتًا، وأكتب أيضًا لأصل إلى تلك اللحظة التي يكون فيها صوتي هو صوت كل من لا صوت له. الشعر عندي هو المعراج الذي أرتقي به فوق أوجاعي الشخصية، ولأكون نبض الناس.
إذا خانتك اللغة يومًا، كيف ستعبر عن نفسك؟
سأعبر بنظرة عين راضية، أو بلمسة يد حانية تمسح على رأس يتيم. أحيانًا يكون الصمت أبلغ من كل القوافي، حين تكون الروح هي التي تتحدث لا اللسان.
متى شعرت أن الشعر ليس مجرد موهبة؟
حين وجدت نفسي لا أنام إلا إذا رتبت هموم الناس في أبيات موزونة، وحين صار القلم صديقي الوحيد الذي لا يمل من سماع شكواي في أنصاف الليالي.
ما هو الشعور المفضل الصفحة البيضاء أم النقد القاسي؟ ولماذا؟
الصفحة البيضاء؛ لأنها تعني الخواء والفراغ الداخلي، أما النقد فيمكن تجاوزه. الإحساس لا يقبل التشكيك، ومن شكك فيه فقد طعن روحي.
هل تفكر في القارئ أم تصغي لصوت داخلك؟
أفكر في القارئ كأخ وصديق وجار، لكن أولًا أنصت للصوت الخفي الذي يملي علي الصدق. فإذا خرج الكلام من القلب، وصل إلى القلب دون وسيط.
البيت الذي كشفك أمام نفسك؟
“يارب ماليش غير بابك وسيلتي وسترك عليا” هذا السطر لخص حقيقتي كإنسان يدرك ضعفه أمام عظمة الخالق.
لو خيرت بين الشهرة والصدق المطلق، ماذا تختار؟
الصدق، فالانتشار زائل، أما الوفاء للروح فهو البقاء الحقيقي في وجدان البسطاء جيلاً بعد جيل.
السؤال الذي تتمنى أن يُطرح عليك ولم يُطرح؟
متى ستتوقف عن الكتابة؟ وإجابتي: حين يتوقف النبض في عروقي، فما دام في العمر بقية، سيبقى في القلب قصيدة.
هل خانتك شخصياتك يومًا؟
نعم كثيرًا. فكم من مرة بدأت أرثي حالًا، فإذا بالقلم يكتب عن عزة النفس والشموخ، وكأن للقصيدة عقل يوجهها للحق الذي يجب أن يُقال.
كيف تتعامل مع الجفاف الإبداعي؟
أصادقه… أقرأ زملائي سواء في الأدب العربي أو الغربي، أستعيد نبضي من بين سطورهم. فالصمت هو مخاض ولادة مختلفة، وليس خذلانًا.
ماذا تقول للشاعر المبتدئ؟
لا تخف من وعورة الطريق، ولا تحزن إن لم يفهمك البعض. استمر في حب البسطاء والانحياز لهم، فصدقك هو ما سيجعلك شاعرهم الذي يحبونه.
أي تجربة إنسانية لم تُكتب كما تستحق؟
قضية الصبر الجميل للفقراء، الذي يمارسونه كل يوم دون شكوى. الشعر لم يصف بعد عظمة هذا الصبر وكرامة الذين يسكنون بيوتهم الصامتة.
ماذا يبقى في قلبك بعد ليلة كتابة طويلة؟
شوق لقصيدة لم تولد بعد فالشاعر لا يشبع من الكلمة، وكلما انتهى من نص شعر، هناك معنى أعمق لا يزال يراوده ويطلبه.
كيف كانت بداية مسيرتك ومتى بدأت؟
بدأت منذ الصغر، وكانت أول قصيدة كتبتها تعبيرًا عن حب الوطن والأرض. ومنذ ذلك اليوم، والقلم لا يفارق يدي.
ما هو جديدك لهذا العام؟
ديوان يلمس أوجاع الناس وأفراحهم، وآخر ما خطه قلبي: “يا صاحب الفضل جود بالفضل يا منان، واجعل قلوب البشر تملا البيوت أمان”.
ما رأيك في مجلة الرجوة الأدبية وأسئلتنا معك لهذا اليوم؟
نافذة ضوء حقيقية في زمن كثر فيه الغث والسمين. مساحة نقية تحترم الكلمة وتقدر المبدع، وتفتح ذراعيها للشعر الأصيل الذي يحاكي الوجدان.
ختامًا:
تحياتي الصادقة من شاعر البسطاء، سعيد سعيد أمام، الذي يظل قلبه مع كل فقير وكل من لا صوت له، يسطر بالأمل والحب والجمال، ويقدم الكلمة لكل من يبحث عن الضوء في عالم يظلم أحيانًا.
يظل شاعرنا سعيد سعيد أمام مثالًا حيًا للوفاء للكلمة وللقلوب قبل الشهرة، ومرآة لكل من لا صوت له في مجتمعنا الشعر عنده ليس هواية بل قدر ومسار حياة يعكس وجع الناس وأملهم في آن واحد من خلال كلماته نتعلم أن الصدق في التعبير هو الأثر الباقي وأن الحب للبسطاء والانحياز لهم يجعل الكلمة حية تتنفس في كل زمان ومكان نخرج من هذا الحوار ونحن نحمل معنا درسًا في الإنسانية وفي قوة الشعر الذي يصل إلى القلوب قبل أن يصل إلى العيون.
![]()
