الكاتبة عاليا عجيزة
في تلك الزاوية المنسية من العالم، حيث يتوقف الزمن عن الركض، كانت الأشياء تتنفس بهدوء تحت عباءة الليل. لم تكن مجرد طاولة خشبية، بل كانت مسرحًا لذكريات تأبى أن تغيب.
صوت الراديو المنبعث..
كان الراديو الذهبي يئن بألحان قديمة، وشوشة خفيفة تسبق صوت المذيع الذي يأتي من بعيد، حاملًا أخبارًا من مدن لم نزرها، وأغنيات لفنانين رحلوا وتركوا أصواتهم أمانة في قلب هذا الصندوق الخشبي. فوقه، قطعة من “الدانتيل” الأبيض الذي نسجته أنامل الجدة بصبرٍ أيوبي، وكأنها تحاول حماية الموسيقى من غبار النسيان.
أما الهاتف الأسود القابع بجانبه، فقد كان حارسًا للأسرار. قرص الأرقام الدائري يحكي قصص الأصابع المرتجفة التي أدارته ذات يوم بلهفة، تطلب صوتًا يداوي جراح الغياب.
إنه هاتف لا يعرف سرعة “الرسائل النصية” الباردة، بل يعرف قيمة “الرنين” الذي يهز أركان البيت، ويعرف طعم الانتظار المر في الليالي التي لا يأتي فيها الاتصال.
وفي وسط هذا المشهد، يرتفع القنديل الزيتي كمنارة صغيرة. ناره ليست مجرد ضوء، بل هي نبضٌ دافئ يرقص على جدران الغرفة، يرسم ظلالًا لأشياء كانت هنا ورحلت. وبجانبه، يتربع فنجان القهوة المزخرف بنقوش شرقية دقيقة؛ بخاره يتصاعد كدخان بخور في معبد الصمت. رشفة واحدة منه كفيلة بأن تعيدك إلى زمن كانت فيه “الجلسة” طقسًا مقدسًا، لا يقطعه إشعار هاتف ذكي، ولا يعكره ضجيج العصر.
إن هذه الصورة ليست مجرد ترتيب لأثاث قديم، بل هي تجسيد لمفهوم “الألفة”. نحن نحنّ إلى هذه الأشياء لأنها تشبهنا في بساطتها، وفي صدقها. في هذا الركن، تكتشف أن السعادة لا تحتاج إلى سرعات فائقة أو شاشات براقة، بل تحتاج فقط إلى ضوء خافت، وراديو يهمس بالذكريات، وفنجان قهوة يخبرك أن كل شيء سيكون بخير ما دام في القلب نبض، وفي الذاكرة حكاية.
كان السكون يطبق على الغرفة، إلا من فحيحٍ خافت يخرج من شعلة القنديل، ووشوشة مترددة تنبعث من أحشاء الراديو القديم. في تلك اللحظة، تحركت الروح في “الجمادات”، وبدأ حوارٌ لم يسمعه سوى جدران الغرفة العتيقة.
تنهد الهاتف الأسود بمرارة، وتحرك قرصه الدائري حركة طفيفة كأنه يمط أطرافه المتيبسة، وقال بصوتٍ أجش:
— “ألا تشعر بالملل يا صديقي الراديو؟ أنت لا تتوقف عن الثرثرة، تبث الأغاني والأخبار لمن يسمع ومن لا يسمع، بينما أنا.. أنا الذي كنتُ جسرًا للقبلات المحمولة عبر الأسلاك، وناقلًا لدموع الفرح والترح، أصبحتُ اليوم مجرد قطعة ديكور تكسوها قطع الدانتيل، وكأنني ضريحٌ منسي.”
اهتزت مؤشرات الراديو، وخرج منه صوتٌ رخيم يملؤه الفخر:
— “يا صاحبي، أنت كنتَ تنقل كلام الناس، وكلام الناس ينتهي بانتهاء المكالمة. أما أنا، فأنا أحفظ روح العصر. أنا من أطربتُ العشاق بصوت أم كلثوم في منتصف الليل، وأنا من جمعتُ العائلات حول ‘صوت العرب’. أنت كنتَ تفرقهم في غرف مغلقة لتهمس بالأسرار، أما أنا فكنتُ شمس المجالس التي لا تغيب.”
هنا، تراقصت شعلة القنديل داخل زجاجها الصافي، وألقت بظلالها الطويلة على فنجان القهوة، وقالت بهدوء:
— “كفاكما ضجيجًا.. نحن جميعًا في مركب واحد. انظر إلى ذلك الفنجان المسكين، إنه يحمل في جوفه قهوة مرة كأيامنا هذه. الإنسان الذي وضعنا هنا لم يعد يبحث عن صوتك يا راديو، ولم يعد يثق بأسلاكك يا هاتف. إنه يملك الآن أجهزة صغيرة بحجم كف اليد، فيها آلاف الإذاعات وملايين الهواتف، لكنه –للمفارقة– أكثر وحدةً مما كان عليه حين كان يملكنا فقط.”
صمت الهاتف قليلًا، ثم قال بصوتٍ منخفض:
— “أتذكرين يا شعلة، حين كانت الأصابع ترتجف وهي تدير أرقامي في الظلام على ضوئك؟ كان لكل رقم رنة، ولكل رنة دقة قلب. الآن، يلمسون الزجاج البارد ببرود، ويقتلون المسافات دون أن يشعروا بلذة الوصول.”
رد الراديو وهو يخفض صوته تدريجيًا:
— “صدقت.. نحن لم نكن مجرد آلات، كنا ‘طقوسًا’. كنا نمنح الوقت قيمة، ونمنح الغياب هيبة. أما الآن، فقد صار كل شيء متاحًا، فضاع طعم كل شيء.”
ومع اقتراب الفجر، بدأت شعلة القنديل تخبو، وتلاشت أصواتهم خلف وشوشة الترددات الإذاعية الضعيفة. ظل فنجان القهوة صامدًا، يحمل بقايا “وجه” القهوة التي بردت، وكأنه شاهدٌ وحيد على أن الأشياء حين تحنّ، تفيض وجعًا يفوق قدرة البشر على الاحتمال.
![]()
