الكاتب أنور الهاملي
لقد تشوه وجهها الجميل، لقد كُسر ريشها، لقد قُطفت ورودها، ومات ما كان فيها، وأجملها ماتت الحياة بها بعد ما كانت هي للحياة مصدرها. لقد كانت التمثال للتاريخ، وصرح موثوق للمجد.
الإنسان فيها ملك، لا يخاف على نفسه إلا من الأجل، لا تحتاج إلى حراس يحمونها، لديها أسوار عالية وبيوتها الأجمل، حيث إنها تتزين بأجمل النقوش، وعلى نوافذها أجمل القمريات، تتخلخلها الأضواء بألوانها البراقة. لقد عشقها من لم يزرها، وقد عشقها من قرأ عنها ومن رأى صورها، ومن اسمها تنحب يا بنتي.
فكيف أهلها؟ وكيف هم منهم تحت سقوف تلك المنازل يعيشون؟ هل هم سعداء بأنهم منها؟ وهل هم يحبوها كما حبها الغرباء؟
الأب: سوف يتم نقلي إليها في الأيام القادمة، وتريها من الداخل، وتري شوارعها وأرصفها وتاريخها المتنوع، خليط من تاريخ الغرب والشرق والترك والفرس، يا يا بنتي يتلونه، وعملاقة بتاريخها، غير أن الحرب دمرتها. إن كان للتاريخ المعماري عاصمة، فأبنيتها تكفي لتحتويه.
بلقيس: هل الشركة سوف تتحمل مصاريف النقل؟ وبماذا سنسافر إليها؟
الأب: نعم، سوف تتحمل الشركة النقل والسفر، أنا أعرف لماذا تسألين.
بلقيس: يا أبي، إذا كنا سننتقل بسيارتنا فإنها لا تكفي لحمل كل العفش.
الأب: لا، وهل أنتِ تهتمين بهذا يا ابنتي، ولا مهتمة بهذه المقدسات؟
بلقيس: نعم يا أبي، إني لا أملك في حياتي غيرك إلا كتبي، فهي ليست مكدسات وليست ورق كما يقولون، إنها عقول مفكرين وفلاسفة وحكماء، إنها مدن، إنها ممالك وأمراء وصديقات من كل العصور يا أبي، إنها تحتوي وتساعدني على معرفة نفسي ومعرفة الحق والباطل والصالح والفاسد، إنها تأخذني إلى المدن التي أريدها والتي لم أزرها، إنها ملجئي وأماني بغيابك يا أبي، يا أبي إن عملك يدوم لأسابيع، وبنتك الحبوبه تواسي نفسها بالكتب.
الأب ضاحكًا: نعم، كلام منمق ومقنع بنفس الوقت كالعاده، وأقول لك بشارة، في منزلنا الجديد هناك ابن لصديقي يملك مكتبة ضخمة، ما أقصده أن المكتبة مجاورة لمنزلنا.
البنت ظلت تتدلع وتتغنج وتحلم عن وصولها إلى صنعاء القديمة، نعم صنعاء القديمة. وبعد أيام يأتي الوعد المنشود، وعندما جاءت دينة بيضاء لتحمل وتتحمل وتخرج اللهفة، ورغم فرح بلقيس للسفر والانتقال إلى صنعاء، إلا أنها ساعة حاسمة ولحظة ليست بعابرة، أن تترك بيتها الذي عاشت فيه حزنها وسعادتها ولمدة طويلة، والحي الذي اعتادت على سماع الصياح فيه، والهواء والأجواء، والصديقات اللاتي ذهبن إلى المدرسة وإلى المسجد الذي شاركن معها أفضل لحظة العمر وزهرة الشباب الذي علمنهن وتعلمت منهن، إنها لحظات الفراق لا تفرق كالعاده، مريرة حزينة كئيبة، ما بعدها إلا مشتاق حائر، وما كانت أسبابه إلا الظروف.
عند سفرهم مروا بالقرى والمدن العديدة، وشاهدوا ألوانها وأزهارها اليانعة والتاريخية، وشاهدوا الجمال والدمار في نفس الوقت بسبب الحرب التي ما فرقت بين تاريخ وطفل وامرأة، ولا عمرها فرقت بين مقدسات، والأسوأ أنه أنا وعدوي مقدساتنا وتاريخنا واحد، إنها الحرب الأهلية التي جندتها الغرب لخراب بلدهم بأيديهم.
وبينما يتبادل الأب وابنته الأحاديث عن الذي يحدث في البلاد وجمالها بالأيام السابقة، قال الأب بصوت يملؤه الغيرة والقهر: لقد شوه وجهها الجميل.
بلقيس مداعبة: باختصر مثلًا، تقول أريد أن أرى جدة العجوز في زهرة شبابها.
الأب: نعم، أريدها وهي تؤدي أعمالها بكل حيوية، أريد أراها وهي تذود وتفرح وتمرح، أريدها تزهر وتثمر.
بلقيس: كالعاده بكلماتها الجميلة المختارة بعناية لكل موقف، يا أبي نريد أن نرى بلادنا كأي بلاد تتقدم وتتطور وتحافظ على عاداتها، ولكن للأسف يوم بعد يوم وهي تتدمر، ويدمر معها الشايب ومستقبل الطفل الذي ما عمره شاف الراحة، الطفل يا أبي بعمر العاشر يتمنى الموت.
الأب: للأسف كلامك حقيقي ومنطقي وواقعي، لأول مرة أركز، وتبادل الضحكات الذي أصلها الألم.
وعند وصولهم إلى صنعاء القديمة، تم استقبالهم، وقد حضر صالح وفارع وبنته ياسمين، التي كانت بعمر 19 عامًا كعمر بلقيس. كانت باين عليها ملامح الكوميديا وخفة الدم، لديها جسم ممتلئ ونظرات فيها من الشوق الكثير لمعرفة بلقيس التي لم تعرفها إلا من وصفها من أبيها. وكانت بعيون بلقيس ما لا يكفي من اللهفة لمعرفة صنعاء وأهلها، كما أنها تحمل مشاعر لمعرفة ابن صالح صاحب المكتبة، ولكنه لم يحضر.
تعانق الأصدقاء عند اللقاء، وما أجمل ذلك اللقاء الذي أخفى في طياته غياب سنين، ويحمل اللقاء بعد فراق طول ولمدة لا يتحملها، ولكن تحملها الكل بسبب مهامهم التي لا يعرفها أقرب الناس لديهم. أبناء وأهل وأقارب، ولكن لا أحد يعرفهم كما يعرفون بعضهم البعض.
كما صافحت بلقيس النساء، وعانقت وضحكت مع ياسمين لأنها أكثر شخص منتظر لها. وتبادلن الأحاديث بكل خفة وعفوية، وكان بينهما صداقة طويلة، وكأنهما بينهن معرفة كل واحدة بالأخرى ما يكفي، رغم أن ما مر على لقائهما بضع دقائق.
وبينما يثرثرن ويتبادلن الأحاديث والمزحات التي فيها من الاحترام والوقار ما يكفي، الأصدقاء الثلاثة أنزلوا ما تحتويه الدينة من عفش، وتفاجأ صالح وفارع من كمية الكتب التي تحملها الدينة.
قال فارع ممازحًا: إن الكتب أكثر من العفش.
أجاب الأب: لا تستغربوا، حتى أنا ما قدرت أعرف إيش فيها، عندما أسألها تجاوبني بجواب لا أفهمه.
صالح: أكيد، من وين أنا وأنتم با نعرفوا إيش معنى الكتب؟ فمعلوماتنا مختلفة، وهي مش معرفة، فهي قاهيهه تربية.
فعند اكتمالهم من التنزيل، ولم يحسوا وهم متعمقين بالمجابر الحارة، وعندما أكملوا، كل واحد انصرف إلى منزله.
وكان هناك كلام عالق في الحلوق ولهفة لم تكتمل. وعند صباح، استيقظ الأب وابنته كالعاده، تناولوا الإفطار، وذهب إلى عمله في أول يوم له في العاصمة، وظلت بلقيس مثل كل يوم تتصفح كتبها وتصنع خيالها وتمزجه بالواقع.
وعند اجتماع فريق الوحدة، وكان يحتوي من صالح وفارع وعلي أبو بلقيس، يترأس معلومات المهمة الجديدة “الشبح”، وكان يتميز بالذكاء ويجيد الاختفاء، كما أنه أسرع وأصغر جندي في المهمة.
وبعد التخطيط للمهمة، انصرف كل واحد إلى عمله بالجهة المختصة.
وبعد صلاة العصر، ياسمين تدق الباب لتخرج إليها بلقيس، والضحكة والسرور يملأ وجوههما، مستعدة، والشوق قاتلها لتتعرف على الأماكن وأجواء صنعاء القديمة.
مررن بأزقتها وشوارعها ومبانيها الفخمة، وتبادلن الأحاديث، وتعرفن على الكثير من الفتيات من أقرانهن، وتكلمن عن طموحاتهن والهوايات وعن الفشل والخسارات كأعمق صديقتين بأقصر وقت.
بلقيس: لقد سمعت وقرأت عن صنعاء الكثير، ولكنه كله طلع كذب، ليس هناك من يستطيع أن يوفي بوصف هذه المدينة.
ياسمين: نعم، إنها عاصمة دون مطار ولا حتى طائرة، نعم جميلة، ولكن هؤلاء الناس أين ملامحهم الحقيقية؟ نعم جميلة لدرجة أن الطفل يضحك ليسعد والديه، مدينة تاريخية لها آلاف السنين من أقدم الحضارات، لم يزرها سائح منذ سنوات طويلة. للمجانين من نعمنا، أما العقلاء فيحسونها خطر عليهم، فالأمن موجود فيها لدرجة أن فيها عشرات السجون، يملاها الدكاترة والمعلمين والإعلاميين والخطباء والمثقفين.
بلقيس مصدومة من غضب صديقتها الجديدة: أنا قصدي إنها جميلة بوجود زهرة مثلك.
ياسمين، تتقبل المزحة: نعم، لولا وجودي لاختفى جمال صنعاء، واختفى جمالها، يعني اختفى جمال الحضارات، تقديري تقولي إني أنا مركز للجمال.
وبينما هن يثرثرن ويتبادلن الهموم والمجاملات، آباؤهن والفريق يستعدون لاستطلاع أقوى عصابة تدمير وتهريب داخل البلاد، وهي عصابة عناصرها أمريكيان وإيرانيان مدمجين.
عند غروب الشمس، تحرك الفريق لاستطلاع الفروع المنتشرة داخل العاصمة صنعاء. هم من زود القتلة بالسلاح، وقتلوا الشباب ببودراتهم السامة، وزرعوا في عقول الأطفال أفكارًا باطلة خبيثة.
وعندما نفذوا المهمة بكل نجاح، كالأشباح في الظلام، لأن هذا الشيء الذي تربوا لأجله: الدين ثم الوطن قبل كل شيء، رغم أنهم صادفوا كثيرًا من الصواعق وكثيرًا من الموريات، إلا أنهم لم يخونوا الوطن ولا العهد الغليظ، ما فرطوا بالصداقة، ليلتقوا ليرفعوا التقرير، لكنه صادم: أن عمل العصابة قد يكون مخططًا من مئات السنين، وأكثر من يدعم عملهم هم رجال الشرطة الذين وضع الناس حياتهم في رقابهم، الذين وهمونا بأنهم الحزام الأمني وأنهم العين التي لا تنام لأجل راحتنا، وقالوا إنهم هم من يحمونا، وكان أكثر من قتل أبناء هذا الوطن ليس الغرب، بل الجيش الذي يقتلنا، بينما يدعي أنه يقاتل عنا، وليس الجنود من فعل ذلك، بل القادة.
كان الفريق في حال يُرثى له، كانوا لا يكادون أن يروا من شدة الغضب الذي سيطر عليهم، ولولا الأوامر لاقتلعوا العصابة من جذورها، وكان الغضب الأكبر من رجال الشرطة.
ظلوا قاعدين بالمقر حتى نزلت خيوط النهار وأشعة الشمس، لتلون أجواء أجمل مدينة تاريخية التي أفسدها الخونة، وتتلون المنازل بأجمل أشعة قمريات فنية يمنية الصنع، فريدة من نوعها، رغم أنهم أفسدوا براءتها وجمالها، ولكن هناك قوة في غمازتها تدفنهم دائمًا.
وفي صباح اليوم، كانت الفتاة التي أذهلت كل من عرفها بكثرة ما قرأت، ولكن لم يرَ أحد ما أجمل ما كتبت وزينت، ويا زين ما فكرت بأفكار لا يكتبها كاتب عادي، لديها حروف تتزين بالدر والمرجان، يحمل في طياتها معاني كثيرة.
وبينما هي منغمسة في الكتابة السرية التي تكتبها وتحجبها عن الأنظار، إذا بالباب يُدق، وعند وصولها الباب، إذا بصوت مبحوح هادئ، مثل التركيز، عميق مثل الفلسفة، رجولي إلى حد كبير، متزن ومتباطئ:
ماذا تريد؟ ومن أنت؟
أنا عمر ابن صالح الميكانيكي.
بلقيس في نفسها: إنه هو عمر، صاحب المكتبة. لقد كانت تتمنى أن تتعرف عليه، لم تكبح نفسها، فتحت الباب لترى ما يكمن خلفه من معجزة، وكان يملك هو نفس الشعور. فتح الباب في تثاقل، وكان هناك من يدفع من الجانبين، ولا تتلاقى الأعين، وتنزل الصاعقة من عينين قتلتهم الإعجاب دون معرفة.
عمر، كأنه يصحو من نومه: ها، أمي أعطتني هذا، وتقول إنها منتظرة زيارتك.
بلقيس: تسلم، الله يخليها، بزورها بأول فرصة تسمح لنا.
فعندما أُغلق الباب، كل واحد منهم ذهب إلى ملجئه وخازن سره: الورق.
ليكتب.
عمر يكتب: لم أفكر أني سأرى حياتي تمر كلها بعده ثوانٍ، لم أتخيل أني سأرى أجمل من أفكاري على الورق. عيونها تكفي للجمال، وعمقها لا يضاهيه غزال، وشعرها أشعة ليزرية على أكتافها كالظلام، وهدوؤها مزامير داوود من قديم الأديان، منسقة، مرتبة وجميلة، وسبحان من أكرمها بالخلق والإسلام. جمال الجمال بها تفرد، وكأن عيني لم ترَ قبلها حسانًا، ولم أرَ غائمًا تنسدل تراتيلًا وإيمانًا.
بلقيس كتبت: يا صوت يضاهي وحدتي، كيف آمن بصوت كأماني؟ بابي أمان وهدوء، وصوتًا يلعب له القلب بأجمل الطرب. ليت كان لي قبل ذلك نظرة، كي أزين أفكاري وأوراقي وحروف كتبي. ليتك لي تدوم، ولا أشكيك آهات الألم، ليت لي معك مجبر طويلًا، ولكن ذلك حرام في ديني، وأيضًا في العادات والأدب.
وفي مساء اليوم نفسه، ينزل قرار تنفيذ المهمة إلى فريق الوحدة وعدة فرق، كفريق الخندق والمغاوير وغيرها.
وليتم الاستعداد للقضاء على عصابة منتشرة داخل العاصمة ومأرب وعدن وتعز، وكان تخطيطًا منسقًا من خبراء يمنيين لم تُذكر أسماؤهم في سجل، أشباح ضحوا بكل ما يملكونه لأجل الوطن.
![]()
