كتب أحمد حمزة ـــ 2026/5/19
تخيّل أنك لم تدخل المحكمة بحثًا عن انتصارٍ ساحق، ولا حتى عن حقٍّ كامل، بل عن حلٍّ بسيط يُنهي نزاعًا طال أمده، فإذا بك تجد نفسك فجأة في متاهةٍ من الإجراءات؛ كل بابٍ يفتح على باب، وكل ورقةٍ تحتاج ثلاث ورقات لتثبت شرعيتها!
مرحبًا بك في عالم “مقترحات قانون الأحوال الشخصية الجديد”؛ حيث تبدو العدالة سريعة في نصوص القانون، لكنها على أرض الواقع تمارس رياضة الجري في المكان.
الفكرة في ظاهرها تبدو نبيلة: إصلاح المنظومة الأسرية، تسريع الفصل في النزاعات، وتخفيف العبء عن كاهل المحاكم. لكن الواقع — كعادته — كان له رأيٌ آخر؛ فبدلًا من أن تهدأ المعركة، اتسعت رقعتها، وبدلًا من أن يختصر القانون الطريق، تفرّعت المسارات وتعدّدت، وكأن القوانين السابقة لم تُقنع صُنّاعها بما خلّفته من تفككٍ أسري وكثرة “أطفال الشقاق”، فجاءت التعديلات الجديدة أكثر غرابةً وتعقيدًا.
بين فلسفة التشريع و«النهج المسخ»
تحولت العلاقة بين الزوجين من “ميثاقٍ غليظ” يقوم على الحوار والمودة، إلى ملفٍّ سميك عنوانه: «من يملك أوراق ضغط أكثر؟».
واللافت أن بعض المقترحات الجديدة — كمنح الزوجة حق فسخ العقد بعد ستة أشهر إن وجدت الزوج غير مناسب — تعكس حالةً من التخبط التشريعي. فهذا الطرح ليس إلا صورةً مشوهة لما عُرف فقهيًا بـ “خيار الشرط في النكاح”، وهو أمر تحدث عنه الفقهاء قديمًا، ورأوا أن التوسع فيه دون مصلحة واضحة قد يفضي إلى الفسخ بعد “ابتذال المرأة” وإلحاق الضرر بها؛ لذلك أوجب الشرع للمطلقة قبل الدخول نصف الصداق تعويضًا لها.
قديمًا، كان الفقهاء ينظرون إلى الطلاق وخيار الشرط باعتبارهما مرتبطين بالطرف الذي يتحمل النفقة والغُرم، مما يدفعه بطبيعته إلى الحرص على استمرار العقد. أما النهج الجديد، فهو حالة هجينة؛ لا هو التزم بروح الشريعة وأحكامها، ولا هو تبنى النموذج المدني الغربي كاملًا، الذي يجعل الزواج عقدًا مدنيًا خالصًا ينفسخ برضا الطرفين مع مساواة كاملة في الحقوق والواجبات.
لقد أنتج هذا التداخل حالةً تشريعية مرتبكة؛ فمع وجود “قائمة المنقولات” بصيغتها الحالية، ومع توسيع أدوات الضغط القانونية، يتحول الزواج تدريجيًا من رابطةٍ إنسانية إلى مشروعٍ استثماري يخضع لحسابات المكسب والخسارة.
وهنا اختلت الموازين؛ فلو اقترح أحدٌ قانونًا يمنح الرجل حق “تجربة الزوجة” ثم تطليقها بلا تبعات إن لم تعجبه، لضجّت المنابر بالحديث عن الإهانة والابتذال، لكن حين يُصاغ العكس، يُقدَّم تحت لافتة “التمييز الإيجابي” الذي تمدّد في مجتمعاتنا حتى صار سببًا في مزيدٍ من الاحتقان.
ولعل الواقعة الشهيرة للقاضي الذي استنزفته الدعاوى القضائية مع طليقته — رغم زواجها عرفيًا — حتى عجز بكل نفوذه عن تجاوز ثغرات القانون وانتهى الأمر بجريمةٍ مأساوية، تُعد مثالًا صارخًا على ما يمكن أن تخلقه النصوص المختلّة من انسدادٍ نفسي واجتماعي، لا من عدالةٍ حقيقية.
انتقائية النص وإسقاط الموانع
تكمن أزمة التعديلات الجديدة في “الانتقائية والانتصارية”؛ إذ تُستمد بعض الحقوق من الشريعة، ثم يُتوسع فيها بصورةٍ تتجاوز أصلها الشرعي نفسه.
فعلى سبيل المثال، يُستدل بقول النبي ﷺ للأم:
“أنتِ أحق به ما لم تنكحي” في حديث
“أنَّ امرأةً قالَت يا رسولَ اللَّهِ إنَّ ابني هذا كانَ بطني لَه وعاءً وثَديي لَه سِقاءً وحجري لَه حِواءً وإنَّ أباهُ طلَّقني وأرادَ أن ينتزِعَه منِّي فقالَ لَها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أنتِ أحقُّ بِه ما لم تَنكِحي”
قُدِّمَتِ الأُمُّ على الأَبِ في رِعَايةِ الوَلَدِ وحَضَانتِهِ، لاختِصاصِها بأُمورٍ ليستْ في الأبِ.
ثم تُطرح مقترحات تُبقي الحضانة للأم حتى بعد الزواج من أجنبي، متجاوزةً القيد الوارد في النص ذاته.
وهكذا، تُبقي القوانين على النفقات والحضانة — وهي حقوق استمدت أساسًا من الشريعة — بينما تُسقط الموانع والضوابط المرتبطة بها، مثل “النشوز” في النفقة أو “الفسق” في الحضانة، ثم تُزاد مدد الحضانة وقيم النفقات بصورةٍ لا أصل لها في الفقه ولا نظير لها حتى في بعض القوانين الغربية.
دعوى نفقة هنا، ورؤية هناك، وحضانة في المنتصف، واستئناف يلوح في الأفق، وأتعاب محامٍ، ربما لو وضعت في البيت قبل حدوث الشقاق لَما لجأوا إلى محكمة أو ربما تأخر لجوؤهما قليلًا… حتى بات الأمر أقرب إلى شركةٍ متعثرة على وشك الإفلاس، يحاول كل طرف فيها اقتناص ما تبقى من الأصول.
أما الأدوات القانونية التي وُضعت أصلًا لتنظيم العلاقة، فقد تحولت لدى البعض إلى وسائل تصعيد واستنزاف؛ فخلافٌ كان يمكن أن يُحل بكلماتٍ داخل بيتٍ مغلق، أصبح اليوم قضيةً تحمل رقمًا، وموعد جلسة، وحكمًا قابلًا للطعن.
وهنا لم يعد السؤال: «من على حق؟»، بل: «من يملك النفس الأطول؟».
أهو مشروع لتحديد النسل وفشوّ الفساد ؟
في صورته الحالية، يبدو هذا القانون — بما يحمله من ضغوطٍ وتشوهات — وكأنه مشروعٌ غير مباشر لتحديد النسل، ودفع الشباب بعيدًا عن فكرة الاستقرار الأسري والزواج.
فلا يمكن لعاقل أن يتوقع بقاء الرغبة في الزواج كما كانت، في ظل هذه المخاطر النفسية والمادية وحالة الابتذال المتبادل التي تُغذّيها المعارك القضائية.
والنتيجة الطبيعية لهذا العزوف هي اتساع دائرة الفساد الاجتماعي، وظهور ظواهر دخيلة على المجتمع، قد تبدأ بعلاقاتٍ خارج إطار الزواج، وتنتهي بترندات عبثية تُطبع الانحراف وتجعله مادةً للاستهلاك الجماهيري.
لكن السؤال الأعمق يظل حاضرًا:
هل المشكلة فعلًا في نصوص القانون وحدها، أم في الفراغ الاجتماعي والتربوي والشرعي الذي يسبقها؟
فالحقيقة التي لا تُكتب في حيثيات الأحكام أن أغلب هذه النزاعات لم تبدأ داخل المحكمة، بل وصلت إليها بعد فشل كل المساحات الإنسانية: الحوار، والعقل، والعائلة، وربما الضمير نفسه.
القانون وُجد لينظّم لا ليُربّي، وليحسم لا ليُصلح، لكننا — بحسن نية أو بسذاجة — نطالبه بأن يؤدي كل الأدوار دفعةً واحدة، بينما يغيب العنصر الأهم: “الوقاية”
المتمثلة في منظومة دعمٍ وإرشادٍ أسري حقيقية، وخطاب متوازن لا يُشيطن الرجل ولا المرأة، بل يطفئ النار بدلًا من صبّ الوقود عليها.
صفوة القول قبل أن تُرفع الجلسة
في نهاية الرحلة، قد يحصل أحد الأطراف على حكمٍ واضح فيظن أنه انتصر، لكن الجميع سيكتشف — عاجلًا أم آجلًا — أنهم خسروا تلك “المساحة الرمادية” التي يسكنها العقل في الغالب، والتي كان يمكن أن تُنقذ ما تبقى من إنسانية العلاقة.
فالأسرة لا تُبنى على مواد قانونية جامدة، بل على المودة، والمسؤولية، وقدرٍ من التنازل المتبادل الذي لا يُكتب في العقود.
وما إن تتحول العلاقة إلى “ملف وقضية وتجارة”، حتى تفقد روحها؛ فتصبح الأرقام أوضح… والمعاني أقل.
إصلاح منظومة الأحوال الشخصية لا يبدأ بإضافة مادةٍ انتقائية أو تعديل بندٍ مشوّه، بل يبدأ بإعادة بناء “ما قبل القانون”: الوعي، والقيم، والتوازن، والمساحات الإنسانية التي تمنع النزاع من الأصل، وإلا، فسنظل نعدّل القوانين بحماسٍ أعمى، لنكتشف في كل مرة أن كوارث الواقع سبقت التعديل بخطوتين.
ناهيك عن المرجعية المزدوجة وراء هذه التعديلات
أو كما وصفتها “بالكوكتيل” التي تجعلنا كمن رقصت على السلم؛ ” لا اللي فوق شافوها، ولا اللي تحت سمعوها”
انتهى
كاتب|قاص مصري
![]()
