الكاتبة عاليا عجيزة
كان المرج الأخضر يتنفس بهجة، والروابي البعيدة المغطاة بنور الشمس الذهبي تستعد لشيء أكبر من مجرد نهار جديد. في كل عام، يأتي هذا اليوم حاملًا معه هواءً مختلفًا، تفوح منه رائحة التكبيرات الشجية التي تصدح من مآذن القرى، وتتردد في شعاب الجبال. إنه عيد الأضحى، ذلك الموعد السنوي الذي لا يأتي ليرتب الأيام، بل ليعيد ترتيب القلوب، وينشر السلام والبهجة في كل تفاصيل الحياة.
تأملتُ المشهد من حولي؛ فالأمر في هذا العيد لا يتعلق بالذبيحة أو الأضحية في حد ذاتها، بل بالمعنى الأعمق الذي يغمر الوجود. العيد هو تلك الطاقة السارية التي تجعل الكبير والصغير يرتديان حلة الفرح. هو ضحكات الأطفال التي تنطلق في الفضاء كالعصافير، والملابس الجديدة التي تفوح منها رائحة البراءة، والبيوت التي تفتح أبوابها مشرعة لاستقبال الأحبة والمهنئين بعد طول غياب. في عيد الأضحى، يتناسى الناس أوجاعهم الشاقة، ويخلعون عن كواهلهم غبار الأيام الرمادية، ليلتحفوا بعباءة من التسامح والمودة الخالصة.
في هذا الصباح المبارك، لم تكن السعادة حكرًا على البشر وحدهم، بل بدت الطبيعة والحيوانات وكأنها تشارك في هذا المهرجان الإنساني الكبير. عندما انطلقتُ في وسط المرج، شعرتُ وكأن الأرض تحتفي معي. ارتدى الكون زينة العيد، وتمثلت البهجة في قبعة ملونة وُضعت على الرأس، وبوق يطلق نغمات الفرح في الهواء، وركضة مجنونة تعبر عن الانعتاق والسرور الخالص.
لقد تحول العيد هنا إلى حالة من التلاحم الجميل؛ فالراعي الذي يرتدي ثوبه التقليدي، ويزين رأسه بالشماغ، يركض خلفي ضاحكًا، لا يحمل عصا الزجر، بل يحمل قلبًا يفيض بالحب. إنها ركضة تعكس جوهر العيد الحقيقي: التواصل، والمشاركة، وتحويل اللحظات العادية إلى ذكريات لا تُنسى.
«عيد الأضحى ليس مجرد طقوس تُؤدى، بل هو تذكير سنوي بأن الفرح حق مشروع، وأن البهجة تصبح أجمل عندما نتقاسمها مع كل من حولنا، بشرًا وطبيعة وكائنات».
ومع غروب شمس يوم العيد الأول، وامتزاج الخيوط الأرجوانية بقمم الجبال، يدرك المرء أن العيد قد ترك أثرًا لا يُمحى. إنه يترك فينا تلك الرغبة في الاستمرار بروح متفائلة، ويعلمنا أن الفرح البسيط المتمثل في قفزة وسط مرج أخضر، أو ضحكة صافية تنطلق من الأعماق، هو رأس المال الحقيقي للإنسان.
سيمضي العيد وتنقضي أيامه المعدودات، لكن ستظل روحه، المتمثلة في التسامح والبهجة والركض نحو غدٍ أفضل، حية في قلوبنا حتى يلوح في الأفق عيد جديد.
![]()
