الكاتبه المحبة لله
لم أعد ذلك الشخص الذي كان يظن أن الحياة تسير كما يتمنى، ولا ذاك الذي يتوقف طويلًا عند كل خيبة أو يؤلمه كل رحيل.
لقد أثرت الأيام فيَّ أكثر مما كنت أتوقع، وأعادت تشكيل روحي على مهل، حتى أصبحت أنظر إلى الأشياء بنظرة مختلفة وقلب أكثر اتساعًا.
لم يبدلني شخص بعينه، ولا موقف واحد يمكنني أن أشير إليه وأقول: «من هنا بدأت الحكاية».
إنما صاغتني الحياة نفسها حين كشفت لي وجهها الذي لم أكن أعرفه، وأنا أسير خلف أحلامي بثقة طفل يظن أن الطريق مستقيم دائمًا.
وصقلتني الخيبات التي ظننت في بدايتها أنها نهاية العالم، ثم اكتشفت بعد سنوات أنها كانت بداية لفهم أعمق لنفسي ولمن حولي.
علَّمتني الأبواب التي أُغلقت في وجهي، رغم أنني طرقتها بكل ما أملك من أمل ويقين، والأشخاص الذين رحلوا دون سابق إنذار أو كلمة وداع، تاركين خلفهم فراغًا لا يملؤه شيء.
كنت أظن أن القوة تكمن في ألا أنكسر، ثم تعلمت أن القوة الحقيقية هي أن تنكسر وتنهض من جديد، مؤمنًا أنها ليست النهاية.
وكنت أعتقد أن الجميع يشبهون ما يظهرونه من مشاعر، حتى أدركت أن بعض الابتسامات تخفي أوجاعًا لا يعلمها إلا الله، وأن بعض القلوب التي تبدو قاسية تحمل من الحزن ما يفوق قدرتها على البوح.
وما أعاد تشكيل رؤيتي للحياة حقًا هو إدراكي أن الحياة لا تمنح أحدًا كل ما يتمنى، وأن الرضا ليس في امتلاك كل شيء، بل في تقبُّل ما قسمه الله لنا، والسعي لما نحب دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.
اليوم لم أعد ذلك الشخص الذي كان يقف طويلًا عند كل خيبة أو يرهقه التفكير في كل ما فاته.
فقد علمتني الأيام أن ما كُتب لي سيأتيني ولو بعد حين، وأن ما لم يُكتب لن تناله يداي مهما سعيت إليه.
لقد صنعتني التجارب أكثر من الكلمات، والخذلان أكثر من المواعظ، والانتظار أكثر من الطرق المعبدة.
لكنها، رغم قسوتها أحيانًا، منحتني شيئًا ثمينًا؛ منحتني القدرة على أن أنظر إلى الناس بعين الرحمة، وإلى نفسي بعين الصبر، وإلى المستقبل بعين الأمل.
لهذا، إن سألني أحد يومًا: ما الذي غيَّرك إلى الأبد؟
سأقول:
لم يكن حدثًا واحدًا، بل كانت رحلة كاملة من السقوط والنهوض، ومن الفقد واللقاء، ومن الحيرة واليقين.
رحلة جعلتني إنسانًا مختلفًا عمن كنت بالأمس، وأكثر امتنانًا لمن أصبحت عليه اليوم.
![]()
