...
IMG 20260628 WA0009

مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد

مقال اليوم رقم (3)

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

 

 

في زمن أصبحت فيه حياة الآخرين تُعرض أمامنا كل يوم عبر شاشات الهواتف، لم تعد المقارنة مجرد شعور عابر، بل تحولت عند كثير من الناس إلى أسلوب حياة. يستيقظ البعض صباحًا ليتصفح صور النجاح، والسفر، والسيارات، والمنازل، والاحتفالات، ثم يغلق هاتفه وهو يشعر أن حياته أقل قيمة، رغم أنه قد يكون يملك نعمًا لا يملكها غيره.

 

المشكلة ليست في رؤية نجاح الآخرين، بل في الطريقة التي ننظر بها إليه. فبدلًا من أن يكون نجاح غيرنا مصدر إلهام، أصبح عند البعض سببًا للإحباط والحزن، لأنهم يقارنون بداية طريقهم بنهاية طريق شخص آخر، أو يقارنون واقعهم بما ينشره الناس من أجمل لحظاتهم فقط.

 

والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن الناس لا ينشرون كل شيء. فخلف كل صورة جميلة قد توجد مشكلات لا يعلمها أحد، وخلف كل ابتسامة قد يختبئ تعب طويل، وخلف كل نجاح سنوات من الفشل والمحاولات. لكن الإنسان عندما يقارن، فإنه يرى الصورة الكاملة لحياته، ويقارنها بجزء صغير اختاره الآخرون ليعرضوه أمام الناس.

 

وتبدأ المقارنة منذ الصغر، حين يُقال لطفل: “انظر إلى أخيك، فهو أفضل منك.” فينشأ معتقدًا أن قيمته مرتبطة بمن حوله، لا بما يحققه هو. ثم يكبر، فيقارن دراسته بغيره، وعمله بغيره، وراتبه بغيره، وحتى شكله وحياته الاجتماعية بغيره، حتى يفقد القدرة على الاستمتاع بما يملكه.

 

إن أخطر ما تفعله المقارنة أنها تجعل الإنسان يعيش في سباق لا نهاية له. فإذا اشترى شيئًا، وجد من يملك الأفضل، وإذا حقق إنجازًا، وجد من حقق أكثر، فيظل يطارد شعورًا لن يصل إليه أبدًا، لأن السعادة لا تأتي من التفوق على الآخرين، بل من الرضا والسعي المستمر لتطوير النفس.

 

ولذلك نجد أشخاصًا يملكون القليل لكنهم يعيشون في راحة وطمأنينة، لأنهم ينظرون إلى ما عندهم بعين الامتنان، بينما نجد آخرين يملكون الكثير ولكنهم لا يشعرون بالسعادة، لأنهم لا ينظرون إلا إلى من يملك أكثر منهم.

 

الحلول العملية والإيجابية

 

التخلص من عادة المقارنة ليس أمرًا مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى تدريب مستمر.

 

أولًا: قارن نفسك بنفسك فقط.

 

اسأل نفسك: هل أصبحت اليوم أفضل مما كنت عليه قبل عام؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فأنت تسير في الطريق الصحيح، حتى لو سبقك الآخرون.

 

ثانيًا: تذكر أن لكل إنسان ظروفه الخاصة.

 

قد ترى شخصًا ناجحًا، لكنك لا تعرف كم تعب، ولا كم مرة فشل، ولا ما مر به حتى وصل إلى ما هو عليه.

 

ثالثًا: ركز على نعمك قبل أن تنظر إلى نعم الآخرين.

 

خصص كل يوم دقائق لتتذكر الأشياء الجميلة التي تملكها، مثل الصحة، والأسرة، والأصدقاء، والعمل، فهذه نعم قد يحرم منها غيرك.

 

رابعًا: اجعل نجاح الآخرين مصدر إلهام لا مصدر غيرة.

 

إذا نجح شخص في مشروعه، فاسأله عن تجربته، وتعلم منه، بدلًا من أن تحزن لأنك لم تصل بعد.

 

خامسًا: قلل من متابعة المحتوى الذي يجعلك تشعر بالنقص.

 

ليس كل ما يُعرض على وسائل التواصل يعبر عن الحقيقة، وكثير من المحتوى يعرض الجانب الجميل فقط، دون ذكر التحديات.

 

أمثلة من الواقع

 

طالب حصل على مجموع جيد، لكنه حزن لأنه لم يكن الأعلى بين زملائه، فانشغل بالمقارنة ونسي أنه حقق إنجازًا يستحق الفخر.

 

وشاب بدأ مشروعًا صغيرًا، لكنه ظل يقارن نفسه برجال أعمال كبار يعملون منذ عشرين عامًا، فأصابه الإحباط وفكر في التوقف، بينما لو قارن نفسه بيومه الأول، لاكتشف حجم التقدم الذي حققه.

 

وفتاة كانت ترى صور حياة صديقاتها في السفر والتنزه باستمرار، فشعرت أن حياتها مملة، ثم اكتشفت لاحقًا أن كثيرًا مما كانت تراه لم يكن يعكس الواقع الكامل، وأن لكل إنسان تحدياته الخاصة.

 

هذه الأمثلة تؤكد أن المقارنة كثيرًا ما تصنع مشكلات لا وجود لها في الحقيقة.

 

الرؤية الإسلامية

 

دعا الإسلام إلى الرضا، وحذر من النظر إلى ما في أيدي الناس.

 

قال الله تعالى:

 

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾

[سورة طه: 131]

 

وقال سبحانه:

 

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

[سورة إبراهيم: 7]

 

فهذه الآيات تدعو الإنسان إلى شكر النعم التي بين يديه، وعدم جعل حياته رهينة بما يملكه الآخرون.

 

من الأحاديث النبوية الصحيحة

 

قال رسول الله ﷺ:

 

«انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم.»

(متفق عليه)

 

وقال ﷺ:

 

«ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.»

(رواه الترمذي)

 

وتؤكد هذه الأحاديث أن الرضا والقناعة طريقان إلى راحة النفس، وأن المقارنة المستمرة قد تحرم الإنسان من الإحساس بنعم الله عليه.

 

الرؤية المسيحية

 

يدعو الكتاب المقدس إلى القناعة، والابتعاد عن الطمع والحسد.

 

جاء في الرسالة إلى العبرانيين:

 

«لتكن سيرتكم خالية من محبة المال، كونوا مكتفين بما عندكم.»

(عبرانيين 13: 5)

 

وجاء في سفر الأمثال:

 

«القلب المطمئن حياة للجسد، أما الحسد فنخر للعظام.»

(أمثال 14: 30)

 

من تعاليم السيد المسيح والرسل

 

قال السيد المسيح:

 

«انظروا إلى طيور السماء… أليس أنتم بالحري أفضل منها؟»

(متى 6: 26)

 

وقال الرسول بولس:

 

«قد تعلمت أن أكون مكتفيًا بما أنا فيه.»

(فيلبي 4: 11)

 

وتؤكد هذه التعاليم أن السلام الداخلي يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن قياس حياته بحياة الآخرين، ويعيش شاكرًا لما بين يديه.

 

خاتمة

 

لن تنتهي المقارنات أبدًا، لأن الدنيا مليئة بمن هو أغنى، وأجمل، وأشهر، وأكثر نجاحًا. لكن الإنسان الحكيم لا يجعل سعادته معلقة بما عند غيره، بل يصنع سعادته بما يملكه، ويواصل تطوير نفسه خطوة بعد أخرى. فالحياة ليست سباقًا مع الآخرين، وإنما رحلة يسعى فيها كل إنسان إلى أن يصبح نسخة أفضل من نفسه، وعندها فقط يدرك أن أعظم انتصار ليس أن تتفوق على غيرك، بل أن تتغلب على شعور النقص الذي تصنعه المقارنة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *