مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد
مقال اليوم رقم (4)
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
في عالم يمتلئ بالأصوات، أصبح الجميع يريد أن يتحدث، لكن القليل فقط يعرف كيف يستمع. فكل يوم تدور آلاف الحوارات بين الأصدقاء، والأزواج، وأفراد الأسرة، وزملاء العمل، لكن كثيرًا منها ينتهي بسوء فهم، ليس لأن الكلمات كانت غير واضحة، بل لأن أحدًا لم يكن يستمع إلى الآخر باهتمام.
لقد أصبح الاستماع اليوم مهارة نادرة، فبينما يتحدث شخص عن مشكلته، يكون الطرف الآخر منشغلًا في التفكير فيما سيقوله بعد قليل، أو ينظر إلى هاتفه، أو يقاطع الحديث قبل أن يكتمل. وهكذا يتحول الحوار إلى تبادل للكلام، لا إلى تبادل للفهم.
والإنسان بطبيعته يحتاج إلى من يشعر به أكثر من حاجته إلى من يقدم له النصائح. فكثير من الناس لا يبحثون عن حلول بقدر ما يبحثون عن شخص يمنحهم فرصة للتعبير عما بداخلهم دون سخرية أو مقاطعة أو إصدار أحكام مسبقة.
كم من طفل تغيرت نفسيته لأنه وجد أبًا أو أمًا يستمعان إليه باهتمام، وكم من زوجين انتهت بينهما خلافات كبيرة لأن أحدهما قرر أن يفهم قبل أن يرد، وكم من صديق استعاد ثقته بالحياة لأن شخصًا واحدًا أنصت إليه بصدق.
وعلى الجانب الآخر، فإن غياب الاستماع الحقيقي يخلق فجوة بين الناس. فالابن الذي لا يجد من يسمعه داخل منزله قد يبحث عمن يسمعه خارجه، والموظف الذي لا يشعر أن مديره يستمع إليه يفقد حماسه للعمل، والزوجة التي تتحدث ولا تجد اهتمامًا قد تشعر مع الوقت بأنها غير مقدرة، وكذلك الزوج الذي لا يجد من يصغي إليه يشعر أن حديثه بلا قيمة.
إن الاستماع ليس صمتًا فقط، بل هو احترام، واهتمام، ورغبة حقيقية في فهم الطرف الآخر. ولذلك فإن العلاقات القوية لا تقوم على كثرة الكلام، وإنما على جودة الاستماع.
ومن الأخطاء المنتشرة أيضًا أن البعض يظن أن كل حديث يحتاج إلى نصيحة. بينما الحقيقة أن الإنسان أحيانًا يريد من يسمعه فقط، لا من يحل له كل مشكلاته. فالإنصات في كثير من المواقف يكون أعظم هدية يمكن أن تقدمها لشخص يمر بظروف صعبة.
الحلول العملية والإيجابية
يمكن لأي إنسان أن يصبح مستمعًا جيدًا إذا تدرب على بعض العادات البسيطة.
أولًا: أعطِ من أمامك انتباهك الكامل.
عندما يتحدث إليك شخص، ابتعد عن الهاتف، وانظر إليه، ودعه يشعر أن حديثه مهم بالنسبة لك.
ثانيًا: لا تقاطع الحديث.
حتى لو كنت تعرف ما سيقوله، اتركه يكمل فكرته. فالمقاطعة تجعل الطرف الآخر يشعر أن رأيه غير مهم.
ثالثًا: اسأل لتفهم، لا لتجادل.
بدلًا من الرد مباشرة، اسأل: “ماذا تقصد؟” أو “كيف شعرت في هذا الموقف؟” فهذه الأسئلة تساعد على فهم أعمق.
رابعًا: لا تُصدر الأحكام بسرعة.
قد تسمع قصة من جانب واحد، أو موقفًا لا تعرف كل تفاصيله، لذلك امنح نفسك فرصة للفهم قبل إصدار أي حكم.
خامسًا: تعلم أن تتعاطف.
ليس المطلوب أن توافق على كل ما يقوله الآخر، لكن حاول أن تفهم مشاعره، لأن الشعور بالفهم يخفف كثيرًا من الألم.
أمثلة من الواقع
طالب عاد من مدرسته غاضبًا، فبدأ والده يوبخه قبل أن يعرف السبب. وبعد فترة اكتشف أن ابنه كان يتعرض للتنمر من بعض زملائه. لو أن الأب استمع أولًا، لتغير أسلوب تعامله منذ البداية.
وفي شركة، كان أحد الموظفين كثير الشكوى، وظن المدير أنه شخص سلبي. لكن عندما جلس معه واستمع إليه، اكتشف أن المشكلة كانت في ضغط العمل وسوء توزيع المهام. وبعد تعديل بسيط في نظام العمل، تحسن أداء الموظف بشكل ملحوظ.
كما أن صديقًا كان يمر بأزمة نفسية، وكلما تحدث، قاطعه من حوله بالنصائح. حتى وجد شخصًا جلس معه ساعة كاملة يستمع فقط. وبعد انتهاء الحديث قال: “أشكرك، لقد شعرت براحة لم أشعر بها منذ أشهر.” لم تكن الراحة بسبب الحلول، بل لأنه وجد أخيرًا من أنصت إليه.
الرؤية الإسلامية
حث الإسلام على حسن الاستماع، والتثبت، وعدم التسرع في الحكم على الناس.
قال الله تعالى:
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾
[سورة الزمر: 17-18]
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
[سورة الحجرات: 6]
وتؤكد هذه الآيات أن حسن الاستماع والتثبت قبل الحكم من صفات المؤمنين.
من الأحاديث النبوية الصحيحة
قال رسول الله ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.»
(متفق عليه)
وقال ﷺ:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.»
(متفق عليه)
وهذان الحديثان يدعوان إلى ضبط اللسان، وهو ما يبدأ بحسن الاستماع قبل الكلام.
الرؤية المسيحية
كما يدعو الكتاب المقدس إلى سرعة الاستماع، والتأني في الكلام.
جاء في رسالة يعقوب:
«ليكن كل إنسان مسرعًا في الاستماع، مبطئًا في التكلم، مبطئًا في الغضب.»
(يعقوب 1: 19)
وجاء في سفر الأمثال:
«مجيبًا عن الأمر قبل أن يسمعه، فله حماقة وعار.»
(أمثال 18: 13)
من تعاليم السيد المسيح والرسل
كان السيد المسيح يمنح الناس فرصة للتعبير عما بداخلهم قبل أن يوجههم، ومن أقواله:
«من له أذنان للسمع فليسمع.»
(متى 11: 15)
كما يؤكد الرسول يعقوب مرة أخرى على قيمة الإنصات قبل الكلام، لأن الفهم الصحيح يبدأ دائمًا بالاستماع.
خاتمة
قد لا تتذكر بعد سنوات كل الكلمات التي قلتها للناس، لكنهم سيتذكرون دائمًا كيف جعلتهم يشعرون عندما تحدثوا إليك. فإذا أنصت إليهم باهتمام، شعروا بقيمتهم، وإذا تجاهلت حديثهم، بقي في نفوسهم أثر لا يُنسى. لذلك، فإن أعظم الحوارات ليست تلك التي يتحدث فيها الإنسان كثيرًا، بل التي يشعر فيها كل طرف بأنه قد فُهم واحترم. فتعلم أن تستمع بقلبك قبل أذنك، لأن الاستماع الصادق قد يصلح علاقة، ويخفف ألمًا، ويغير حياة إنسان.
![]()
