الكاتبة: عاليا عجيزة
الضباب ليس مجرد بخار ماء بارد عالق في الهواء؛ إنه أنفاس الموتى التي تجمدت قبل أن تجد طريقها إلى السماء. في هذه الغابة المنسية، حيث الأشجار العارية تبدو كأصابع شوكية ممتدة من أعماق الجحيم، كانت الخطوط الفاصلة بين عالم الأحياء وعالم الفناء تتلاشى تمامًا مع كل غسق.
هناك، في البقعة الأكثر عتمة وبرودة، كانت الأرجوحة معلقة. سلسلتان من الحديد الصدئ تمتدان إلى مكان غير مرئي في الأعلى، كأنهما تتدليان من سقف الغيم الأسود نفسه. لم تكن تتأرجح بفعل الرياح؛ فالرياح في هذه الغابة كانت تخاف الحركة، بل كانت تتحرك بإيقاع رتيب ومخيف، كنبض قلب يحتضر.
الهبوط إلى غيبوبة الضباب
مشيتُ كثيرًا حتى نسيتُ لماذا بدأت المشي في المقام الأول. كانت روحي مثقلة بخيبات لا اسم لها، وجسدي لم يعد أكثر من غلاف واهن يبحث عن مرسى. عندما رأيتها لأول مرة، لم أشعر بالخوف، بل بنوع من الانجذاب المغناطيسي الغريب. فتاة ترتدي ثوبًا قطنيًا أبيض شاحبًا، بلون الكفن، تجلس مطأطئة الرأس. خصلات شعرها الداكن المبتل تغطي وجهها بالكامل، مانعةً أي بصيص من ملامحها من الظهور.
كانت تجلس بهدوء قاتل، ساقاها متقاطعتان، وقدماها العاريتان تقتربان من الأرض دون أن تلمساها، كأنها معلقة بين الوجود والعدم. ما أثار قشعريرة باردة في عمودي الفقري لم يكن الفتاة نفسها، بل تانك اليدان اللتان تظهران من العدم في أعلى الصورة؛ يدان غريبتان، تمتدان من أطراف الغيم أو من أبعاد أخرى، تمسكان بالسلاسل الحديدية بقوة، وكأنهما المتحكم الحقيقي في هذا العرض الجنائزي.
> “الخروج من الحياة ليس دائمًا سقطة مفاجئة، أحيانًا يكون على شكل أرجوحة تتهادى بك ببطء نحو الهاوية.”
اللقاء والنداء الصامت
اقتربتُ بخطوات وئيدة، وكان صوت تهشم الأغصان الجافة تحت قدمي هو التفسير الوحيد لأنني ما زلت على قيد الحياة. توقفتُ على بُعد خطوات منها. لم ترفع رأسها، ولم تصدر أي صوت، لكن الجو المحيط بها كان ينضح بحزن ثقيل، حزن يمكن للمرء أن يلمسه بيديه.
سألتها بصوت مخنوق:
“من أنتِ؟ ولماذا تجلسين هنا؟”
لم تجب، لكن السلاسل الحديدية أصدرت صريرًا حادًا، واهتزت الأرجوحة خطوة إلى الأمام. في تلك اللحظة، أدركتُ أن اليدين في الأعلى لم تكونا هناك لحمايتها، بل كانتا يدي الموت نفسه، يمسك بزمام الأرجوحة، يرفعها تارة ليعطيها أملًا زائفًا بالتحليق، ثم يتركها تهبط نحو القاع ببطء شديد، معذبًا إياها بالانتظار.
هذه الفتاة لم تكن شخصًا آخر؛ كانت تجسيدًا لكل الأرواح التي علقت في المنتصف. الأرواح التي لم تمت تمامًا لتستريح، ولم تعش حقًا لتشعر بالحياة. إنها أرجوحة الموت، المكان الذي يتوقف فيه الزمن، حيث تصبح المعاناة أبدية، وحيث يفقد الألم معناه ليتحول إلى روتين يومي.
رقصة الفناء الأخيرة
فجأة، شعرتُ برغبة عارمة في دفع الأرجوحة، أو ربما في قطع تلك السلاسل اللعينة لإطلاق سراحها. خطوتُ خطوة إضافية، وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت يدا الموت في الأعلى ترتخيان. بدأت السلاسل تطول، والأرجوحة تنخفض أكثر نحو التربة الداكنة المبللة بالدموع والرماد.
رفعت الفتاة رأسها قليلًا، ولم أرَ عيونًا، بل رأيت فراغًا أسود عميقًا يسحبني إلى داخله. همست بالكلمة الوحيدة التي قطعت صمت الغابة الدهري:
“دورك…”
تراجعتُ إلى الخلف برعب، لكن الضباب التهم طريقي. نظرتُ إلى يديَّ، فوجدتهما قد بدأتا بالشحوب، وتحول ثوبي إلى اللون الأبيض القطني ذاته. التفتُّ نحو الأرجوحة، فلم أجد الفتاة… كانت الأرجوحة فارغة، تنتظر راكبها الجديد، بينما اليدان في الأعلى مستعدتان للإمساك بالسلاسل مرة أخرى.
أدركتُ حينها أن غابة الموت لا تترك أحدًا يغادر، وأن الأرجوحة ليست وسيلة للتسلية، بل هي الفخ الأخير الذي تصطاد به الأرواح المتعبة، لتبدأ رحلة التأرجح اللانهائي بين الندم والنسيان.
![]()
