...
IMG 20260630 WA0058

 

الكاتبة: عاليا عجيزة

 

في المسرح الكبير الذي نسميه “الحياة”، نقف جميعًا على خشبةٍ مرعبة، لسنا فيها مخرجين، ولا حتى أبطالًا حقيقيين لرواياتنا، بل مجرد دمى ماريونيت، معلقة بخيوط غير مرئية يمسك بأطرافها المجتمع والناس من حولنا. منذ اللحظة الأولى التي نفتح فيها أعيننا على هذا العالم، تبدأ تلك الأصابع الخفية في غزل خيوطها حول أطرافنا. خيوط تُسمى “العادات”، و”التقاليد”، و”كلام الناس”، و”ماذا سيقولون عنا؟”. نتحرك يمينًا لأن الخيط الأيمن شُدَّ بقوة، وننحني احترامًا، ليس عن قناعة، بل لأن اليد التي تعلو السقف قررت أن هذا هو وقت الانحناء.

 

حيث تظهر الأيادي الضخمة المهيمنة من الأعلى، تمتد أصابع المجتمع لتتحكم في أدق تفاصيل خطواتنا. تلك الأيادي لا تملك وجهًا نعاتبه، ولا قلبًا نستعطفه؛ إنها كيان هلامي يتكون من عيون الجيران، وهمسات الأقارب، وأحكام العابرين في الشوارع. نحن نرتدي الملابس التي تعجبهم، ونختار التخصصات الجامعية التي ترفع رؤوسهم، ونتزوج بالطريقة التي ترضي أذواقهم، وفي النهاية نموت في التابوت الذي يصنعونه هم لنا. لقد تحولنا إلى أجساد بلا إرادة، نرقص على إيقاع لم نختره، ونغني كلمات لم نكتبها.

 

المأساة الحقيقية في كوننا دمى ماريونيت ليست في الخيوط نفسها، بل في أننا، مع الوقت، نعتاد على وجودها. نصبح نخشى الحرية. فإذا ارتخت تلك الخيوط يومًا، نصاب بالذعر، ونسقط أرضًا كأجساد بلا حراك؛ لأننا لم نتعلم أبدًا كيف نقف على أقدامنا مستندين إلى إرادتنا الحرة. لقد أقنعونا أن الخيوط هي التي تحمينا من السقوط، ولم يخبرونا أنها هي نفسها التي تمنعنا من الطيران.

 

كل خطوة نخطوها خارج النص المكتوب تُقابل بالاستنكار، وكل محاولة لقطع خيط واحد تُفسر على أنها تمرد، أو جنون، أو خروج عن المألوف.

 

يمارس الناس حولنا دور “المحرِّك” ببراعة مذهلة. يراقبون حركاتنا، فإذا ابتسمنا في وقت يرونه حزينًا، شدوا خيط الكآبة، وإذا اخترنا طريقًا مغايرًا لطريق القطيع، جذبونا بعنف ليعيدونا إلى الصف.

 

إنهم يريدوننا نسخًا مكررة منهم، متشابهين في الأفكار، متطابقين في الأحلام، ومستسلمين لنفس المخاوف. الخوف هو الأداة الأقوى في يد هذا المجتمع؛ الخوف من النبذ، والخوف من النقد، والخوف من أن نكون “مختلفين”. هذا الخوف هو الزيت الذي يجعل بكرات الماريونيت تدور بسلاسة، دون أن تصدر صوتًا ينبه الضحية.

 

عندما تنظر إلى مرآتك، هل ترى نفسك حقًا؟ أم ترى تلك الدمية المستسلمة التي تشبه تلك الموجودة في الفنون التشكيلية؟ كم من القرارات التي اتخذتها في حياتك كانت نابعة من أعماقك ومن رغبتك الصادقة؟ وكم منها كان مجرد استجابة لشدِّ خيط من الأعلى؟ إننا نعيش في سجن شيدته آراء الآخرين، وجدرانه مصنوعة من الرغبة في إرضاء الجميع إلا أنفسنا. والنتيجة هي روح باهتة، تعيش حياة شخص آخر، وتموت دون أن تترك بصمتها الحقيقية في هذا الكون.

 

إن التحرر من دور الماريونيت ليس أمرًا سهلًا، فهو يتطلب شجاعة لقطع تلك الخيوط بأيدينا، حتى لو عنى ذلك السقوط والارتطام بالأرض في البداية.

 

إن ألم السقوط ونحن أحرار أهون بآلاف المرات من متعة الرقص المصطنع، وأيدينا معلقة في الهواء كالألعاب. حان الوقت لنفهم أن المجتمع ليس إلهًا يحدد مصائرنا، وأن الناس من حولنا غارقون في خيوطهم الخاصة، ويحاولون فقط سحبنا معهم إلى نفس المسرحية الهزلية.

 

لكي نكون بشرًا حقيقيين، يجب أن نملك جرأة القول: “هذه حياتي، وهذه خطواتي، حتى وإن لم تعجب أحدًا.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *