كتبت: ملاك عاطف
في غزة، يفتح الصغار أعينهم على سلسلة طويلة من الطوابير، تمتط وتمتط، وكلما انضم إلى حلقاتها القاسية طفلٌ وخزته بشوك الذلّ والشقاء، وفقأت بلور عالمه الورديّ؛ لتدلق براءته على الأرض، وتُسحق بأقدام الجياع الثائرين، الجياع الغاضبين المنهكين، الجياع الذين هاجت قرقرة معداتهم وخرجت حدود جوعهم الشديدة عن سيطرة صبرهم الجميل!
التدافع والاشتهاء والبكاء والانتظار، هي ألعاب مجد التي يلهو بها وقتُه العصيب. أمّا هو، فليس في أيّامه متّسعٌ إلّا للعناء في الركض خلف التكيات الجوفاء المحبوسة بين ثلل من جموع المحرومين الغفيرة.
كل الولدان الذين يعيشون في تلك البقعة المذبوحة قد شيبهم الذعر والتشرد وعظم البلاء، وكلهم تلخصت أحلامهم في طبق معكرونة، وكلهم مصابون بوعكة الرحيل الأبديّ المؤجل، وكلهم حفاةٌ من قدرتهم على الاحتمالِ عُراةٌ من الحياة، وكلهم ضائعون من لعبة “الغميضة” و’بيت بيوت،’ وكلهم يحملون جبالًا من الأحزان لا تستطيع أي مواساةٍ في الدنيا أن تخفف عنهم أثقالها.
وهاهو مجد، مثل أقرانه، يتمزق بين أنياب الجوع الكافر، بينما تغرق الأمّة في مستنقع القطيع وتتبلل بالعجز، وتفتقر إلى مروءة الجاهلية.
وما زال الغزي يبحث بحسرة قلبه عن عمر؛ لينقذه من الحجارة التي تغلي في أوعيةٍ باليةٍ على نارٍ خابية، نسي دخانُها رائحة الطبخ؛ من شدة الفقر المتقع.
![]()
