...
5e67b457 b560 49d5 b9ad 00bfd430629a

كتبت: ملاك عاطف
“وبلادنا في ليلها الدموي جوهرةٌ تشعّ على البعيد، على البعيد، تضيء خارجها، وأمّا نحن داخلها، فنزداد اختناقًا” هذه البلاد جوهرةٌ ماسيّةٌ تلمع من شدّة الضغط الذي يثقل جسدها ويفحم قاطنيه المتوزعين على أعضائه الشريفة كافّة، الممتدّين فوقه من رأسه حتّى أخمص قدميه المتعمّدتين بعطر دمائهم. إنّها لؤلؤةٌ ثمينةٌ هشّةٌ من الداخل، وما بريقها الذي تشخص له أبصارك ذهولًا وترقص له مشاعرك إعجابًا، ما هو إلّا لمعانٌ أسيٌّ أغرقته بها دموع الفقد والخيبة والحرمان، تلك التي تلألأت في مُقلٍ يظلّلها الذبول والسواد.
يا أيّها العربيّ، لا تكُ في ضَيْقٍ من افتتانك بسحر ذاك اللمعان الكذّاب؛ فأنت من بدأ لعبة الخذلان أوّلًا، والبادي دائمًا أظلم. يا أيّها العربيّ المغتاظ من لمعتنا الخدّاعة، أغمض عينيك؛ فحتّى النظر إلينا من بعيدٍ بات فيك خسارة. مهلًا، لا تلمني، أو افعل ما يحلو لك؛ فالمواطن المخنوق بالصمت والجوع والحصار، المواطن المُنهكُ المستَنزفُ الذي يصنع ثباته وصموده من تقاعصك، لم يعد يكترث لألمٍ يصيبه منك، ربّما لأنّ ما فيه يكفيه، وربّما لأنّ تعايشه القسريّ الطويل قد شلّ أعصابه فلا يكاد يحِسّ، أو أنّ حاجته إلى يد عونك قد أفلت وأقسمت على تجذّرها في أبديّة المغيب.
نحن أهل الجوهرة اللامعة الفاتنة، نحن أهلها يا سيّدي، ولكن لا تنسَ أنّا المنخنِقون داخلها، وأنك أنت، أنت لم تحرّك ساكنًا بعد! وقبل الوداع أقول: شكرًا، شكرًا لك بحجم وجعي وقهري وانكساري، شكرًا لك على كأس الأخوّة المرّ الذي سقيتَنيه، ورجاءً، رجاءً، إذا ارتشفت الرشفة الأخيرة، حافظ على بقيّةٍ من مروؤتك ولا تملأه بسمّ اعتيادك ثانيةً، ثمّ حسبك؛ فبعدها، لن أطلب إليك شيئًا آخر، والسلام.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *