الكاتبة: عاليا عجيزة
كانت القرية النائية “كفر السحاب” غارقةً دائمًا في صمتٍ ثقيل، يلفها ضبابٌ كثيف لا يزول حتى في أشد أيام الصيف حرارة.
لم يكن ذلك الضباب مجرد ظاهرةٍ طبيعيةٍ اعتياديةٍ هناك، بل كان أشبه بأنفاس الأرض الحارة التي تحاول إخفاء أسرارها العتيقة عن أعين المتطفلين. وفي قلب هذا الضباب الدائم، تربعت المقبرة القديمة للبلدة على تلةٍ مرتفعة، يشرف منحدرها على المنازل الخشبية المتآكلة، تحيط بها أشجارٌ عاريةٌ غريبة، بدت جذوعها الملتوية وكأنها أطراف كائناتٍ بائسةٍ تستغيث بالسماء الرمادية.
أنا، آدم، لم أكن يومًا من أولئك الذين يؤمنون بالخرافات أو يرتعدون من قصص العجائز. جئت إلى هذه القرية المعزولة مدفوعًا بفضول الكاتب وشغف الباحث عن الحكايات الشعبية المنسية التي تطويها الأيام. لكن حكايةً واحدةً بالذات كانت تتردد باستمرار على ألسنة كبار السن في الحانات الضيقة والمقاهي الخشبية القديمة؛ حكايةً كانوا يسمونها “عروس المقبرة الراحلة”. يقولون إنها تظهر في الليالي الأكثر برودة، ترتدي فستان زفافها الأبيض الناصع، الذي يجر خلفه ذيول الخيبة المنسية، وتسير بين الشواهد بخطىً وئيدة، دون أن تترك أثرًا واحدًا لقدميها على التراب المبتل أو الحشائش البرية.
في ليلةٍ من ليالي الخريف المظلمة، حين بلغت كثافة الضباب حدًّا جعل الرؤية مستحيلة، لا تتعدى بضع خطوات، شعرت بدافعٍ غريبٍ وخفي يجرني جرًّا نحو تلك المقبرة.
حملت مصباحي اليدوي، وتوجهت إلى التلة الصخرية، وكانت دقات الساعة المعلقة في ساحة القرية تعلن منتصف الليل برنينها الرتيب. كانت البوابة الحديدية الضخمة للمقبرة مفتوحةً جزئيًا، تصدر صريرًا خفيفًا ومتقطعًا مع حركة الرياح الباردة التي كانت تهمس بغموض بين الممرات الضيقة للقبور.
عندما خطوت أولى خطواتي داخل الأرض المقدسة، انطفأ مصباحي اليدوي فجأةً دون سابق إنذار. ضربت عليه بكفي عدة مرات، مستنكرًا، لكنه أبى أن يعمل، وكأن طاقة المكان قد امتصت نوره بالكامل. رفعت رأسي محاولًا موازنة بصري مع الظلمة المحيطة، وهنا تجمدت الدماء في عروقي، وشعرت بقشعريرة تسري في كامل جسدي.
كانت هناك بالفعل.
على بُعد أمتارٍ قليلةٍ مني، ووسط الممرات الضيقة المحاطة بشواهد القبور المتآكلة والداكنة، بدت الصورة حيةً وشاخصةً تمامًا.
امرأةٌ غامضة تمشي ببطءٍ وثباتٍ شديدين، تدير ظهرها لي، وتبتعد غائرةً في عمق المقبرة، متجهةً بثقة نحو الأفق البعيد، حيث يلوح في وسط الضباب الكثيف ضريحٌ ضخمٌ عتيق، يعلوه مجسمٌ يشبه الصليب أو الشاهد الجنائزي المهيب.
كان شعرها الأسود الطويل ينساب على ظهرها كشلالٍ غامقٍ من الظلام الحالك، يتطاير بخفة مع هبات الريح الباردة العشوائية، ليتناقض بشكلٍ مرعبٍ وصادم مع البياض الناصع لفستانها المصنوع من الدانتيل الفاخر والتطريزات اليدوية المعقدة. كان ذيل الفستان الطويل ينسحب وراءها على الأرض العشبية الميتة، يتحرك بنعومةٍ فائقةٍ وانسيابيةٍ غريبة، لا تتناسب أبدًا مع خشونة المكان وقسوة الحجارة المحيطة بها. غمرني في تلك اللحظة شعورٌ مبهم؛ لم يكن خوفًا خالصًا يدفعني للهرب، بل كان مزيجًا من الرهبة الطاغية والفضول القاتل الذي يدفع المرء نحو حتفه.
“سيدتي! انتظري!” ناديت بصوتٍ مخنوقٍ وخارجٍ عن السيطرة، لكن صوتي تلاشت نبراته في الهواء البارد الساكن، دون أن يترك خلفه أي صدىً يُذكر. لم تلتفت العروس، ولم تبطئ خطوتها ولو لجزءٍ من الثانية. كانت تسير بإيقاعٍ جنائزيٍ منتظمٍ وساحر، وكأنها مدفوعة بنداءٍ خفي لا يسمعه أحدٌ في هذا الوجود سواها.
بدأت أتبعها بخطىً حثيثة، متناسيًا كل تحذيرات أهل القرية. لكن الغريب أنه كلما أسرعت في خطواتي للاقتراب منها، بدت المسافة الفاصلة بيننا ثابتةً لا تتغير أبدًا، وكان الضباب يزداد كثافةً خلفها وأمامها، يحجب تفاصيل الضريح الكبير في الخلفية تارةً، ويظهرها تارةً أخرى، ويجعل القبور المحيطة بها من الجانبين تبدو كحراسٍ صامتين أوفياء يشهدون على هذا المسير الأبدي الحزين.
تذكرت فجأة كلمات العجوز “صالح”، حين قال لي، حاملًا تحذيرًا صارمًا: «إذا رأيتها ذات ليلة، فلا تحاول أن تسبقها، ولا تنظر إلى وجهها إن التفتت إليك؛ فهي لا تبحث عن رفيق، بل تأخذ الأحياء الفضوليين إلى عالمها الصامت، حيث لا عودة.»
لكن رغبتي في كشف السر كانت أقوى من التحذير ومن الخوف نفسه. تسارعت أنفاسي، وأصبحت دقات قلبي تقرع في صدري بعنف. لاحظت أثناء ملاحقتي لها أن الأعشاب الجافة تحت قدميها لا تنثني ولا تتحرك، وأن ذيل الفستان الحريري المليء بالتفاصيل يمر فوق الطين الرطب، دون أن يعلق به طين، أو تتسخ حوافه بذرة ترابٍ واحدة. كانت كائنًا منسوجًا من أثير الضباب وخيوط الليل العابر.
أخيرًا، اقتربنا من الضريح الكبير الذي يظهر.
هناك، عند حدود الشاهد الضخم، توقفت العروس فجأةً عن الحركة. ساد المقبرة هدوءٌ مطبقٌ ومخيف، حتى الرياح توقفت فجأةً عن الهبوب، وشعرها الأسود الطويل استقر مسترسلًا على ظهرها الأبيض. أحسست برعبٍ حقيقيٍّ باردٍ يمتص كل دفءٍ متبقٍّ في جسدي.
بدأت تلتفت إليَّ ببطءٍ شديد، حركةً مليئةً بالغموض والتهديد غير الملفوظ. شعرت برغبةٍ عارمةٍ أخيرةٍ في الركض والهروب والعودة إلى عالم الأحياء المستقر، لكن أقدامي كانت كأنها غُرست في طين المقبرة بفعل تعويذةٍ قديمة. وحين أوشك وجهها على الظهور بالكامل من خلف خصلات شعرها الداكن المتراجع، هبت فجأةً عاصفةٌ هوجاء من الرياح المحملة بالضباب الأبيض الكثيف، حجبت عني الرؤية تمامًا، وأجبرتني على إغلاق عيني لثوانٍ معدودة.
عندما انقشع الضباب بهدوءٍ بعدها، لم يكن هناك أحدٌ على الإطلاق. اختفت العروس تمامًا، وكأن الأرض قد ابتلعتها، ولم يتبقَّ في المكان سوى الضريح القديم وشواهد القبور الصامتة التي عادت إلى برودتها المعتادة. سقطت على ركبتي متعبًا، وأنا أتنفس الصعداء، ونظرت بعينين متسعتين إلى الأرض، حيث كانت تقف منذ ثوانٍ.
لم يكن هناك أي أثرٍ لقدمين، لكن، ويا للمفاجأة التي جمدت عقلي، كانت هناك قطعةٌ صغيرةٌ ممزقةٌ من الدانتيل الأبيض، مقطوعةٌ بدقةٍ من حافة فستانها، مستقرةٌ فوق التراب البارد، كدليلٍ على أنها لم تكن وهمًا.
عدت إلى القرية مسرعًا قبل شروق الشمس، ولم أخبر أحدًا بما رأيت في تلك الليلة الظلماء.
احتفظت بقطعة الدانتيل الأبيض داخل درج مكتبي السري، وكلما نظرت إليها وتأملت ملمسها الناعم، أدركت يقينًا أن بعض الأساطير ليست مجرد قصصٍ تُروى لتهدئة الأطفال أو تزجية الوقت، بل هي حقيقةٌ حيةٌ تمشي بيننا، مغلفةٌ بالضباب والدموع والغموض الأبدي.
![]()
