...
IMG 20260720 WA0009

 

الكاتب: سعيد بدر (عاشق الرعب)

 

كان المطر ينهمر بغزارة على نوافذ سيارة الرائد يوسف السليماني، وهو يقود ببطء في شوارع الرياض القديمة. كان الليل قد حل، وأضواء الشوارع تتراقص على الأسفلت المبتل، كأنها نجوم ساقطة. توقف يوسف أمام مبنى قديم مكون من ثلاثة طوابق، حيث تجمعت سيارات الشرطة والإسعاف.

 

«مساء الخير يا رائد»، استقبله الرقيب فهد، ووجهه شاحب تحت ضوء المصابيح الكاشفة. «الجريمة في الطابق الثاني، الضحية شاب في الثلاثينيات، يدعى خالد العامري. طعنة واحدة بالصدر، دقيقة ومميتة. لا دليل على وجود شجار أو مقاومة.»

 

صعد يوسف الدرج الخشبي القديم، الذي تأوه تحت خطواته. في الشقة، وجد جثة خالد ممددة على الأرض في منتصف غرفة المعيشة. عيناه مفتوحتان باتساع، ونظرة الذهول لا تزال معلقة فيهما. لكن الشيء الغريب كان ترتيب الغرفة: كل شيء في مكانه، كتب مرتبة على الرف، أكواب في الخزانة، حتى الوسائد على الأريكة منسقة بشكل هندسي دقيق.

 

«المهووس بالنظام»، تمتم يوسف وهو يفحص المكان. ثم لاحظ شيئًا غريبًا: مرآة كبيرة معلقة على الحائط المقابل للأريكة، لكنها معلقة بشكل مائل، بزاوية غير طبيعية.

 

«من اكتشف الجريمة؟» سأل يوسف.

 

«جارته، سيدة تدعى منى. قالت إنها سمعت صوت تحطم حوالي الحادية عشرة مساءً، وعندما لم يجب على طرقها، استدعت الشرطة.»

 

بدأ يوسف بجمع الأدلة. تحت جثة خالد، عثر على قطعة صغيرة من الزجاج الملون، ليست من المرآة. وفي جيب سترته، بطاقة عمل لشركة «أفق» للاستشارات المالية، ومفتاح صغير غريب الشكل. والأغرب من ذلك أن خالد كان يرتدي ساعة يد، لكن عقاربها توقفت عند الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة، رغم أن الطب الشرعي قدر وقت الوفاة بين الحادية عشرة ومنتصف الليل.

 

«هناك شيء لا يتفق»، قال يوسف للرقيب فهد. «إذا كان مهووسًا بالنظام إلى هذا الحد، فلماذا تُركت المرآة مائلة؟ ولماذا يحمل مفتاحًا لا يناسب أي قفل في هذه الشقة؟»

 

عاد يوسف إلى مركز الشرطة، وبدأ بالتحقيق مع الجيران. كلهم أجمعوا على أن خالد كان شخصًا هادئًا، يعمل من المنزل، ولا يستقبل زوارًا تقريبًا. لكنهم لاحظوا شيئًا: في الأيام الأخيرة، كان يبدو قلقًا، كثير التحديق من نافذته نحو المبنى المقابل.

 

قرر يوسف زيارة المبنى المقابل. هناك، في الطابق الثالث، وجد شقة مهجورة، لكن على عتبة النافذة كانت هناك علامات أحذية حديثة. ومن تلك النقطة، كان هناك منظر مباشر على نافذة خالد. التقط يوسف منظرًا عبر نظارته المكبرة، ورأى شيئًا يلمع في زاوية نافذة خالد: كاميرا صغيرة جدًا، موجهة نحو الداخل.

 

«كان أحدهم يراقبه»، همس يوسف.

 

عاد إلى مسرح الجريمة، وهذه المرة نظر إلى المرآة المائلة من زاوية مختلفة. انحنى، ونظر من تحت المرآة، فاكتشف شيئًا كان مخفيًا: خلف المرآة كان هناك جيب سري في الحائط، وفيه دفتر صغير. تصفح يوسف الدفتر، وكان مليئًا برسوم بيانية وأرقام، وكلمات مشفرة، مثل: «العصفور الأزرق»، و«المرآة المقلوبة»، و«الحقيقة في الظل».

 

في الصفحة الأخيرة، كانت هناك جملة مكتوبة بخط مختلف، وكأنها إضافة لاحقة:

 

«القاتل ليس من تراه، بل من لا تراه. ابحث عن الرجل الذي يضحك معك في النهار، ويخطط لموتك في الليل.»

 

عاد يوسف إلى بطاقة العمل التي وجدها في جيب خالد. اتصل بشركة «أفق»، واكتشف أن خالد كان عميلًا لديهم، وأنه كان يستثمر مبلغًا كبيرًا من المال. لكن المفاجئ أن المستشار المالي المسؤول عن حسابه كان رجلًا يدعى سامي، وقد اختفى قبل يومين من الجريمة.

 

بحث يوسف في سجلات سامي، ووجد أن له سابقة؛ فقد كان متورطًا في قضية احتيال قبل خمس سنوات، لكنه أفلت من العقاب. والأغرب أن عنوان سامي المسجل كان في المبنى المقابل لشقة خالد.

 

في صباح اليوم التالي، عثرت الشرطة على سيارة سامي مهجورة في منطقة نائية. داخلها وجدوا جهاز كمبيوتر محمولًا، ومجموعة من الصور لخالد من زوايا مختلفة، وكأنها التقطت من النافذة المقابلة. لكن الأدلة الأكثر إدانة كانت سكينًا مطابقة للسلاح المستخدم في الجريمة، ملفوفة بقطعة قماش مبللة بالدم.

 

بدا أن القضية قد حُلت. لكن شيئًا ما كان يزعج يوسف. لماذا ترك سامي كل هذه الأدلة في سيارة يمكن العثور عليها بسهولة؟ ولماذا المفتاح الغريب؟ ولماذا المرآة المائلة؟

 

قرر يوسف فحص دفتر خالد مرة أخرى، وهذه المرة استخدم ضوء الأشعة فوق البنفسجية. ظهرت رسالة مخفية بين السطور:

 

«سامي ليس القاتل الحقيقي. إنه مجرد أداة. اتبع المفتاح.»

 

المفتاح الصغير. أمعن يوسف النظر فيه، ولاحظ نقشًا دقيقًا على جانبه: رقم 307. توجه إلى المبنى حيث وجد الكاميرا، وصعد إلى الطابق الثالث. هناك وجد خزانة صغيرة ملحقة بالشقة المهجورة، مرقمة 307. استخدم المفتاح، فانفتحت الخزانة.

 

داخلها وجد ملفًا كاملًا عن قضية قديمة: جريمة قتل لم تُحل منذ عشر سنوات، ضحيتها رجل أعمال شهير. وكان خالد العامري هو الشاهد الوحيد في تلك القضية، لكنه اختفى قبل المحاكمة. في الملف صورة للمشتبه به الرئيسي: رجل يدعى ناصر، وهو الآن… رئيس مجلس إدارة شركة «أفق» للاستشارات المالية.

 

أدرك يوسف الحقيقة المروعة: خالد كان يعيش تحت هوية مزيفة منذ عشر سنوات، هربًا من ناصر، الذي كان يريد صمته. سامي كان موظفًا في شركة ناصر، وقد أرسله ناصر لمراقبة خالد، لكن سامي لم يكن القاتل. القاتل الحقيقي كان شخصًا آخر، شخصًا كان يزور خالد بانتظام، وشخصًا يثق به خالد.

 

عاد يوسف إلى قائمة الجيران، وركز على أولئك الذين كانوا على علاقة بخالد. ثم توقف عند اسم الدكتور أحمد، طبيب الأسنان الذي يسكن في نفس المبنى، وكان صديقًا مقربًا لخالد. لكن يوسف تذكر شيئًا: عندما كان يفحص الجثة، لاحظ أن الطعنة كانت دقيقة جدًا، وكأنها نُفذت بأداة حادة جدًا، ليست سكينًا عاديًا، بل… أداة جراحية.

 

أمر يوسف بتفتيش عيادة الدكتور أحمد. تحت أرضية العيادة، وجدوا مجموعة من الأدوات الجراحية المخبأة، إحداها كانت مطابقة تمامًا للجرح. كما وجدوا صورًا لخالد وهو يلتقي بشخص غامض في أحد المطاعم، وكان ذلك الشخص هو ناصر نفسه.

 

عند مواجهته، انهار الدكتور أحمد واعترف: ناصر كان يبتزه منذ سنوات، وهدده بفضح علاقاته غير القانونية إذا لم يتخلص من خالد. خطط أحمد لقتله بطريقة تجعل سامي يُتهم، وترك الأدلة في سيارة سامي بعد أن قتله هو الآخر، وأخفى جثته.

 

أما المرآة المائلة، فكانت إشارة من خالد قبل وفاته، محاولة يائسة لإيصال رسالة؛ أنه رأى انعكاس القاتل في المرآة قبل لحظة من الطعنة، لكنه لم يستطع رؤية وجهه بوضوح، فرتب المرآة بشكل مائل؛ ليوجه المحققين نحو الزاوية الخاطئة، التي أدت في النهاية إلى المفتاح والملف المخفي.

 

في نهاية التحقيق، أُلقي القبض على ناصر بتهمة التآمر والابتزاز، وعلى أحمد بتهمة القتل المزدوج. لكن يوسف ظل يتساءل: هل كانت المرآة المائلة مجرد صدفة، أم أن خالد كان يعرف أنه سيموت، وترك هذا اللغز المعقد ليحقق العدالة حتى من وراء القبر؟

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *