الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
في صباح اليوم التالي كان البيت يبدو أكثر هدوءًا من المعتاد
كان أحمد قد استيقظ مبكرًا على غير عادته
لم يكن هناك سبب واضح جعله يفتح عينيه قبل موعده المعتاد سوى ذلك الشعور الغريب الذي ظل يرافقه منذ الليلة الماضية
اسم واحد ظل يعود إلى ذهنه كلما حاول أن يفكر في شيء آخر
منة
كان الاسم قد أصبح مألوفًا في أذنه رغم أنه لم ينطق به أمام صاحبته حتى الآن
وكانت والدته قد تحدثت مع جارتها في الصباح الباكر كما وعدته
وبعد مكالمة قصيرة اتفق الطرفان على أن يذهب أحمد مع والدته في المساء إلى بيت جارتها حتى يرى منة وتراه هي أيضًا في لقاء أول بسيط ومحترم
لم يكن الأمر خطوبة
ولم يكن هناك شيء رسمي
كان مجرد لقاء تعارف
مجرد فرصة لكي يجلس شاب وفتاة في وجود الأهل ويتحدث كل منهما مع الآخر بما يسمح لهما أن يعرفا إن كان هناك قبول أولي يمكن أن يبدأ منه طريق جديد
لكن بالنسبة لأحمد لم يكن الأمر بهذه البساطة
فهو منذ أن عرف بالموعد بدأ يشعر بشيء من التردد
لم يكن خائفًا من اللقاء
ولم يكن يخشى أن يجلس أمام فتاة لا يعرفها
بل كان هناك شيء أعمق من ذلك
كان يخشى أن يحدث العكس
أن تعجبه منة بينما لا تشعر هي بأي ارتياح تجاهه
أو أن تشعر هي بالقبول بينما لا يستطيع هو أن يكمل
كان أحمد يكره فكرة أن يكسر قلب إنسان
حتى لو كان ذلك عن غير قصد
كان يرى أن المشاعر ليست لعبة
وأن الإنسان حين يدخل حياة شخص آخر يجب أن يكون واضحًا من البداية
ولهذا كان يقول لنفسه منذ الصباح
أنا رايح أشوفها عشان أعرفها
مش عشان أوعدها بحاجة
ومش عشان أخليها تتعلق بيا
ولو ارتحت لها وهي ارتاحت لي نكمل
ولو لأ يبقى كل واحد يرجع لحياته من غير ما حد يزعل من التاني
لكن رغم كل هذه الأفكار العقلانية كان قلبه يحمل شيئًا آخر
فضولًا كبيرًا
فضولًا جعله يتساءل عن شكلها
عن صوتها
عن الطريقة التي ستنظر بها إليه عندما تراه لأول مرة
هل ستكون خجولة
هل ستتكلم كثيرًا
هل ستسأله عن نفسه
هل ستشعر بالراحة معه
أم ستظل طوال الوقت صامتة تنتظر أن ينتهي اللقاء
كان أحمد يحاول أن يتخيل كل شيء
ثم يضحك من نفسه
فهو لم يكن يعرف حتى كيف ستبدأ أول جملة بينهما
في منتصف اليوم دخلت والدته إلى غرفته فوجدته واقفًا أمام المرآة يرتب ملابسه
نظرت إليه للحظات ثم ابتسمت
وقالت
هو انت رايح تتجوز النهارده
التفت أحمد إليها وقال
يا أمي كفاية بقى
ضحكت وقالت
أمال واقف قدام المراية من بدري ليه
قال أحمد
بحاول أشوف شكلي
قالت
هو شكلك هيتغير يعني
ضحك أحمد وقال
لا بس الواحد يحب يبقى مرتب
قالت والدته
وده شيء كويس
ثم اقتربت منه ونظرت إلى ملابسه وقالت
كده كويس
قال أحمد
أيوه
قالت
طب مالك
سكت أحمد
فقالت والدته
أنا عارفة إنك متردد
قال
أنا مش متردد
قالت
أمال إيه
قال
مش عايز أظلم البنت
نظرت إليه والدته باهتمام
فأكمل
يعني لو هي ارتاحت لي وأنا ما ارتحتش لها هبقى السبب إني خليتها تفكر إن في حاجة ممكن تحصل
قالت والدته
يا أحمد هو اللقاء ده معمول عشان كل واحد يعرف التاني
قال
أنا فاهم
قالت
وهي كمان عارفة إن ده مجرد تعارف
قال
عارف
قالت
يبقى متحملش نفسك فوق طاقتها
ظل أحمد صامتًا
فقالت والدته
روح واقعد وشوفها واسمعها وخليها تشوفك زي ما انت
قال أحمد
يعني أعمل إيه
قالت
متعملش حاجة
نظر إليها باستغراب
فضحكت وقالت
خليك أحمد وبس
ابتسم أحمد
وكانت تلك الجملة هي أكثر شيء يحتاج إلى سماعه في ذلك الوقت
خليك أحمد وبس
لأن أحمد لم يكن يريد أن يظهر أمام منة بصورة غير حقيقية
لم يكن يريد أن يتظاهر بأنه أقوى مما هو عليه
ولا أغنى مما هو عليه
ولا أكثر نجاحًا مما هو عليه
كان يعرف جيدًا أن ظروفه المادية في تلك الفترة لم تكن سهلة
كان يعمل ويجتهد ويحاول أن يبني لنفسه مستقبلًا
لكن الطريق لم يكن ممهدًا أمامه
كان لديه أحلام كثيرة
وكان لديه مسؤوليات أكثر
وكان يعرف أن الزواج يحتاج إلى تجهيزات والتزامات لا يستطيع أن يوفرها كلها بسهولة في تلك المرحلة
ولهذا كان يشعر أحيانًا أن الظروف تضغط عليه
لكن أحمد لم يكن من النوع الذي يستسلم أمام الظروف
كان يؤمن أن الإنسان يبدأ بما يستطيع ثم يكمل الطريق خطوة بعد خطوة
ومع ذلك كان هناك شيء يخيفه
ماذا لو أحبها
ماذا لو وجد فيها الإنسانة التي كان يبحث عنها
هل يستطيع أن يتقدم لها وهو بهذه الظروف
هل يستطيع أن يطلب منها أن تنتظره حتى تتحسن أوضاعه
هل يمكن أن تقبل به رغم أنه لا يملك كل ما يتمناه لها
هذه الأسئلة كانت تمر في رأسه
لكنه لم يكن يعرف أن هذا اليوم سيغير طريقة تفكيره كلها
في المساء خرج أحمد مع والدته
جلس في السيارة طوال الطريق صامتًا
كانت والدته تراقبه من وقت لآخر لكنها لم تضغط عليه بالكلام
كانت تعرف أن ابنها يعيش الآن حالة من الصراع الهادئ بين عقله وقلبه
قالت له فجأة
انت ساكت ليه
قال أحمد
بفكر
قالت
في إيه
قال
مش عارف
قالت
خايف
ابتسم أحمد وقال
انتي ليه مصممة إني خايف
قالت
عشان كل ما أسألك تقول مش عارف
ضحك أحمد
ثم قال
يمكن عشان دي أول مرة
قالت
أول مرة إيه
قال
أروح أشوف واحدة وأنا عارف إن ممكن تكون شريكة حياتي
صمتت والدته
ثم قالت
ربنا يكتب لك الخير
نظر أحمد من نافذة السيارة
وقال بهدوء
آمين
وبعد دقائق توقفت السيارة أمام البيت
شعر أحمد بأن قلبه بدأ ينبض بشكل أسرع قليلًا
لم يكن يعرف لماذا
فهو لم يرها بعد
ولم يسمع صوتها
ولم يحدث بينهما شيء
ومع ذلك كان هناك إحساس داخلي يجعله يشعر أن هذه اللحظة مختلفة
نزل من السيارة
ومشى بجوار والدته
كل خطوة كان يشعر معها أن المسافة بينه وبين شيء مجهول تقل
طرقوا الباب
وبعد لحظات فتحت لهم جارة والدته
رحبت بهم بابتسامة واسعة
دخل أحمد ووالدته
وكانت والدته تتحدث مع جارتها في البداية عن أمور عادية
أما أحمد فكان يجلس بهدوء يحاول أن يبدو طبيعيًا
لكن الحقيقة أنه لم يكن طبيعيًا على الإطلاق
كان يشعر بأن انتباهه كله معلق على باب الغرفة التي تجلس خلفه منة
لم يكن يعرف أنها في تلك اللحظة كانت تجلس في غرفتها وقلبها يحمل شعورًا قريبًا من شعوره
كانت منة قد عرفت من والدتها أن شابًا سيأتي مع والدته لرؤيتها
لم تكن تعرف عنه الكثير
كل ما سمعته أنه شاب محترم
وأن والدته امرأة طيبة
وأن الموضوع كله مجرد تعارف
لكن منذ أن أخبرتها والدتها بالموعد وهي تحاول أن تتعامل مع الأمر بهدوء
كانت منة في مرحلة من حياتها تقترب فيها من بداية العشرينيات
وكانت ترى الزواج شيئًا جميلًا لكنها لم تكن مستعدة لأن تقبل بأي شخص لمجرد أن تتزوج
كانت تريد إنسانًا تشعر معه بالأمان
شخصًا تستطيع أن تتحدث معه
شخصًا لا يخيفها اختلافه
ولا يجعلها تشعر أنها مطالبة طوال الوقت بأن تكون إنسانة أخرى حتى ترضيه
كانت تسمع عن الزيجات التي تبدأ بكلمات جميلة ثم تتحول مع الوقت إلى حياة مليئة بالصمت
وكان هذا الأمر يخيفها
كانت تريد شيئًا مختلفًا
كانت تريد رجلًا يحترم عقلها قبل مشاعرها
وعندما دخلت والدتها إليها قبل قليل وقالت لها
أحمد وصل
شعرت منة بتوتر بسيط
سألت
هو اسمه أحمد
قالت والدتها
أيوه
قالت
ومامته معاه
قالت
أيوه
سكتت منة قليلًا
ثم سألت
هو شكله إيه
ضحكت والدتها وقالت
هتشوفيه بنفسك
قالت منة
أنا بس بسأل
قالت والدتها
طب يلا
وقفت منة أمام المرآة
نظرت إلى نفسها للحظات
لم تكن تريد أن تبالغ في الاهتمام بمظهرها
وفي الوقت نفسه لم تكن تريد أن تظهر وكأنها غير مهتمة
رتبت ملابسها ببساطة
ثم أخذت نفسًا عميقًا
وقالت لنفسها
ده مجرد لقاء
مجرد تعارف
لكن قلبها لم يكن مقتنعًا تمامًا بهذه الجملة
دخلت منة إلى غرفة الجلوس
وفي اللحظة التي رفعت فيها عينيها
رأت أحمد
وكانت تلك أول مرة يلتقي فيها الاثنان
لم تكن هناك موسيقى
ولا شيء يشبه المشاهد التي تراها منة في الأفلام
كان هناك فقط بيت هادئ
وأهل يجلسون في أماكنهم
وشاب وفتاة يلتقيان للمرة الأولى
لكن شيئًا ما حدث
شيء صغير
هادئ
لا يستطيع أحد أن يراه
عندما نظر أحمد إلى منة شعر وكأن الضوضاء كلها اختفت للحظة
لم يكن يعرف كيف يصف شعوره
لم تكن المسألة أنها أجمل فتاة رآها في حياته
رغم أنه رأى فيها جمالًا واضحًا
لكن الذي لفت انتباهه لم يكن شكلها فقط
كان الهدوء في عينيها
كان هناك شيء جعل أحمد يشعر براحة لم يفهم مصدرها
شعر وكأنه لا يحتاج إلى أن يمثل
ولا أن يتصنع
ولا أن يبحث عن الكلمات المناسبة
فقط ينظر إليها
ويشعر أنه يعرفها منذ وقت أطول مما ينبغي
أما منة
فعندما رأت أحمد لأول مرة شعرت بشيء مختلف
كانت قد دخلت وهي تتوقع أن تكون متوترة
لكنها فوجئت بأن التوتر بدأ يهدأ
لم تعرف لماذا
ربما لأن أحمد لم ينظر إليها بطريقة جعلتها تشعر بالخوف
كان ينظر إليها باحترام
وكان في ملامحه شيء من الهدوء
شيء جعلها تشعر أنه ليس من النوع الذي يريد أن يفرض نفسه عليها
جلس أحمد
وجلست منة في مكان قريب
وبدأت الأمهات في الحديث
كانت الكلمات في البداية عادية جدًا
عن البيت
عن الجيران
عن الحياة
عن بعض الأمور البسيطة
لكن أحمد كان ينتظر لحظة يستطيع فيها أن يتحدث مع منة
ومنة كانت تنتظر الشيء نفسه دون أن تعرف كيف تبدأ
قالت والدة أحمد
يا منة أحمد بيشتغل وبيحب شغله جدًا
ابتسم أحمد وقال
أمي هتقول لك كل حاجة عني قبل ما أتكلم
ضحكت منة لأول مرة
وكانت تلك الضحكة هي أول شيء يسمعه أحمد منها
توقفت عيناه عليها للحظة
ثم ابتسم دون أن يشعر
قالت منة
لا عادي
قال أحمد
أمال انتي مش عايزة تعرفي حاجة
قالت
أكيد عايزة أعرف
قال
طب اسألي
ترددت منة قليلًا
ثم قالت
بتحب شغلك
قال أحمد
آه
ثم سكت قليلًا وقال
رغم إنه ساعات بيتعبني
قالت
يعني إيه
قال
يعني الواحد ساعات بيكون عنده حاجات كتير نفسه يعملها بس الظروف بتخليه يمشي خطوة خطوة
نظرت إليه منة باهتمام
لم تكن تتوقع أن يتحدث بهذه الصراحة
قال أحمد
بس أنا مؤمن إن الإنسان لازم يعمل اللي عليه والباقي على ربنا
هزت منة رأسها
وقالت
دي حاجة كويسة
قال أحمد
وانتي
قالت
أنا إيه
قال
بتحبي تعملي إيه
ابتسمت منة
وقالت
بحب حاجات كتير
قال
زي إيه
بدأت منة تتحدث
في البداية كانت مترددة
ثم مع مرور الدقائق بدأت تشعر براحة أكبر
حدثته عن الأشياء التي تحبها
عن أحلامها الصغيرة
عن الأشياء التي تتمنى أن تفعلها في المستقبل
كان أحمد يستمع إليها باهتمام حقيقي
ولم يكن ينتظر دوره في الكلام
كان يريد أن يعرفها
كل كلمة كانت تقولها كانت تجعل صورة صغيرة تتكون في ذهنه عنها
اكتشف أنها ليست من النوع الذي يتحدث كثيرًا عن نفسه
لكنها عندما تشعر بالأمان تبدأ في الحديث بعفوية
واكتشف أيضًا أنها تفكر في الحياة بطريقة قريبة من طريقته
لم تكن تبحث عن حياة مثالية
كانت تبحث عن حياة مستقرة
عن بيت هادئ
عن زوج تستطيع أن تشعر معه أنها ليست وحدها
قال أحمد في لحظة
أنا بالنسبة لي أهم حاجة في البيت إن الاتنين يبقوا عارفين إنهم فريق واحد
نظرت إليه منة
فأكمل
يعني لو حصلت مشكلة مش أحمد ضد منة أو منة ضد أحمد
يبقى أحمد ومنة ضد المشكلة
ظلت منة تنظر إليه لثوان
ثم قالت
أنا بحب التفكير ده
كانت جملة بسيطة جدًا
لكنها تركت أثرًا كبيرًا داخل أحمد
لأنها كانت أول مرة يشعر أن هناك شخصًا أمامه يفكر بالطريقة التي كان يتمناها
لم يكن يعرف أن منة في اللحظة نفسها كانت تنظر إليه وهي تفكر
هو ليه مريح كده
لماذا أشعر أن كلامه ليس مجرد كلام
لماذا أشعر أنه يتحدث عن أشياء يؤمن بها فعلًا
كانت منة تحاول أن تظل هادئة
لكن قلبها بدأ يفعل شيئًا آخر
كان هناك نبض جديد
بطيء جدًا
لكنه موجود
وكان أحمد يشعر بالشيء نفسه
كان ينظر إليها من وقت لآخر
ثم يعود بنظره إلى مكان آخر حتى لا يجعلها تشعر بالحرج
لكن كل مرة كان ينظر فيها إليها كان يشعر أن هناك شيئًا داخله يزداد
شيئًا لم يكن يعرف اسمه بعد
انتهى الحديث الأول بينهما
وعادت الأمهات إلى الحديث
لكن أحمد لم يعد كما دخل
قبل أن يرى منة كان يتساءل هل ستعجبه أم لا
أما الآن فقد تغير السؤال تمامًا
أصبح يسأل نفسه
هل يمكن أن تكون هي
هل يمكن أن تكون هذه هي الفتاة التي كنت أبحث عنها طوال هذا الوقت
لم يكن يريد أن يستعجل
لكن قلبه كان يجيب قبل عقله
نعم
أما منة فكانت في داخلها تعيش صراعًا مشابهًا
كانت تقول لنفسها
أنا لسه عرفاه
لازم أفكر
لازم أعرف عنه أكتر
لكن في كل مرة كانت تحاول أن تكون عقلانية كانت صورة أحمد وهو يتحدث معها تعود أمامها
تعود معها تلك الراحة التي شعرت بها منذ اللحظة الأولى
ولأول مرة منذ وقت طويل شعرت منة أن فكرة الزواج لم تعد تخيفها بنفس الدرجة
لأنها رأت أمامها شخصًا يمكن أن تتحدث معه
شخصًا لا يحاول أن يثبت أنه أفضل منها
شخصًا يبدو أنه يريد أن يفهم قبل أن يحكم
ومع مرور الوقت بدأ اللقاء يقترب من نهايته
وقف أحمد ووالدته استعدادًا للرحيل
وقبل أن يخرج أحمد نظر إلى منة مرة أخيرة
لم يكن يريد أن يطيل النظر
لكن عينيه التقتا بعينيها
وفي تلك اللحظة حدث شيء صغير جدًا
ابتسمت منة
ابتسامة خجولة
فابتسم أحمد دون تفكير
ثم خرج
لكن تلك الابتسامة بقيت معه طوال الطريق
جلست والدته بجواره في السيارة
وبعد دقائق من الصمت قالت
إيه
نظر أحمد إليها
وقال
إيه
قالت
بنت كويسة
قال أحمد
آه
قالت
بس
قال
إيه بس
قالت
شكلك عاجباك
ضحك أحمد وقال
لسه بدري يا أمي
قالت
أنا بس بسأل
سكت أحمد قليلًا
ثم نظر من النافذة
وقال
هي مريحة
ابتسمت والدته
وقالت
مريحة
قال أحمد
آه
قالت
يعني عجبتك
ظل أحمد صامتًا
ثم قال
أول مرة أقعد مع بنت وأحس إني مش محتاج أتصنع
نظرت إليه والدته
فأكمل
حسيت إني ممكن أتكلم معاها عادي
قالت
وده شيء كويس
قال أحمد
كويس جدًا
ثم سكت
وبعد لحظات قال
بس أنا خايف
التفتت إليه والدته
وقالت
من إيه
قال
من نفسي
قالت
يعني إيه
قال أحمد
مش عايز أكون اتحمست عشان إحساسي الأول وبعدين أكتشف حاجة تانية
قالت والدته
عشان كده لسه في وقت تتعرفوا فيه على بعض
قال أحمد
أنا عارف
ثم صمت قليلًا
وقال بصوت منخفض
بس حاسس إني أخدت أول خطوة صح
لم تقل والدته شيئًا
كانت تعرف أن ابنها لا يتحدث بهذه الطريقة بسهولة
أما أحمد فكان ينظر من نافذة السيارة
والشيء الذي لم يخبر به والدته أن الأمر لم يكن مجرد إعجاب
كان هناك إحساس آخر
إحساس جعله لأول مرة منذ فترة طويلة ينظر إلى مستقبله بطريقة مختلفة
رغم أن ظروفه المادية لم تكن سهلة
ورغم أنه كان يعرف أن أمامه الكثير من المسؤوليات
ورغم أنه لم يكن يملك كل ما يتمنى أن يقدمه للفتاة التي يمكن أن تصبح زوجته
إلا أنه في تلك اللحظة شعر بشيء غريب
شعر أنه مستعد لأن يحاول
مستعد لأن يعمل أكثر
مستعد لأن يتحمل
مستعد لأن يفعل كل ما يستطيع
ليس لأنه يريد أن يثبت شيئًا لأحد
ولكن لأنه لأول مرة شعر أن هناك إنسانة يمكن أن تستحق منه كل هذا التعب
وفي مكان آخر كانت منة تجلس في غرفتها بعد أن عاد أحمد إلى بيته
كانت والدتها قد دخلت عليها وسألتها
إيه رأيك
نظرت منة إلى والدتها
وقالت
كويس
ابتسمت والدتها
وقالت
كويس بس
ضحكت منة
وقالت
هو أنا هقول لك إيه
قالت والدتها
قولي الحقيقة
سكتت منة قليلًا
ثم قالت
حسيته محترم
قالت والدتها
بس
قالت منة
ومريح
قالت والدتها
يعني
نظرت منة إلى الأرض
ثم قالت
مش عارفة
ابتسمت والدتها وقالت
مش عارفة دي معناها إيه
قالت منة
يعني حاسة إني ارتحت له
سألتها والدتها
من أول مرة
هزت منة رأسها
وقالت
آه
ثم سكتت قليلًا
وقالت
بس مش عايزة أستعجل
قالت والدتها
وده الصح
قالت منة
بس في حاجة
قالت والدتها
إيه
قالت منة
حسيت إنه صادق
نظرت إليها والدتها
فأكملت
مش عارفة ليه
بس حسيت إن كلامه حقيقي
وإنه مش بيقول الكلام ده عشان يعجبني
سكتت والدتها قليلًا ثم قالت
يمكن عشان هو فعلًا كده
نظرت منة إلى والدتها
ثم ابتسمت
وبعد أن خرجت والدتها من الغرفة بقيت منة وحدها
جلست على سريرها
وأخذت تفكر في كل تفاصيل اللقاء
في طريقة كلامه
في هدوئه
في احترامه لها
في الجملة التي قالها عن أن الزوجين يجب أن يكونا فريقًا واحدًا
ثم تذكرت ابتسامته الأخيرة
فشعرت بالحرج من نفسها
وضعت يدها على وجهها للحظة
ثم ضحكت بخجل
كانت هذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها أن قلبها يتحرك بهذه الطريقة تجاه شخص لم تعرفه من قبل
لم تكن تعرف إن كان هذا حبًا
ولم تكن مستعدة أن تسميه حبًا
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا
أن أحمد ترك في قلبها أثرًا لم يتركه أحد قبله
وفي تلك الليلة كان أحمد أيضًا مستلقيًا على سريره
يحاول أن ينام
لكنه لم يستطع
كان يفكر في منة
وفي كلامها
وفي ضحكتها
وفي تلك الابتسامة الصغيرة التي ودعته بها
كان يحاول أن يقنع نفسه بأن عليه أن يكون هادئًا
وأن يعطي الأمور وقتها
وأن يعرفها أكثر
لكن قلبه كان قد بدأ بالفعل يكتب أول سطر في حكاية لم يكن يعرف نهايتها
وكانت منة في غرفتها تفكر في الشيء نفسه
لم يكن بينهما وعد
ولا خطوبة
ولا حتى قرار نهائي
كان هناك فقط لقاء واحد
لكن ذلك اللقاء كان كافيًا ليترك في قلب كل واحد منهما سؤالًا جديدًا
هل يمكن أن يكون هذا هو الشخص الذي كنت أبحث عنه
ولأول مرة شعر أحمد أن الظروف التي كانت تخيفه لم تعد تبدو بنفس القوة
فالمال الذي كان قليلًا يمكن أن يزيد
والعمل الذي كان متعبًا يمكن أن يتحسن
والطريق الذي كان طويلًا يمكن أن يمشيه خطوة خطوة
لكن الشعور الذي وجده في قلبه تلك الليلة كان شيئًا لا يستطيع أن يشتريه بالمال
كان راحة
وكان قبولًا
وكان بداية حب لم يعرف اسمه بعد
أما منة فكانت تنظر إلى مستقبلها للمرة الأولى دون أن تشعر بالخوف
كانت تتساءل كيف سيكون شكل الأيام القادمة
هل سيتصلون بهم مرة أخرى
هل سيطلب أحمد أن يراها مرة ثانية
هل كان قد شعر بما شعرت به
ثم حاولت أن تمنع نفسها من التفكير
لكنها لم تستطع
وفي مكان آخر كان أحمد يغمض عينيه
وقبل أن ينام قال في داخله
يا رب لو كانت خير ليا قربها مني
ثم سكت لحظة
وأضاف
ولو كانت هي فعلًا الإنسانة اللي قلبي ارتاح لها
يا رب ما تخلينيش أخسرها بسبب ظروفي
ولم يكن أحمد يعرف أن منة في تلك اللحظة كانت تدعو الله بالدعاء نفسه تقريبًا
أن يكون القادم خيرًا
وأن تكون هذه الراحة التي شعرت بها في أول لقاء بداية لشيء جميل
وفي تلك الليلة
كان قلبان قد التقيا للمرة الأولى
ولم يعرف أي منهما أن النبضة التي ظناها مجرد ارتياح
كانت في الحقيقة أول وردة صغيرة تنبت في طريق طويل
طريق سيكبر فيه الحب يومًا بعد يوم
وسيتحول فيه ذلك اللقاء البسيط إلى ذكرى سيعودان إليها بعد سنوات
ويتذكران كيف بدأ كل شيء
وكيف كانت أول مرة نظر فيها أحمد إلى منة
وأول مرة شعرت فيها منة أن قلبها اختار أن يطمئن إلى رجل لم تعرفه إلا منذ ساعات قليلة
وكيف كان ذلك المساء الهادئ
هو البداية الحقيقية لوعد لم ينطق به أحد
لكن قلب أحمد وقلب منة
كانا قد بدآ يكتبان أول كلماته
انتظر الجزء القادم
![]()
