الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
“واحد منكم يحمل دم العرش”
ظل الصوت يتردد داخل القاعة
ثم اختفى
لم يتكلم أحد
كان الجميع ينظر إلى الآخر
محمد إلى عبد الرحمن
عبد الرحمن إلى أحمد
وأحمد إلى الدكتور مصطفى
أما ياسين فكان واقفًا عند آخر درجة
وجهه شاحب
وعيناه لا تفارقان الباب الحجري
قال أحمد
“يعني إيه دم العرش”
لم يرد أحد
اقترب ياسين من الدكتور مصطفى
وقال بصوت منخفض
“إنت لسه فاكر إنهم كانوا بيدوروا على مقبرة”
نظر إليه الدكتور
وقال
“إنت عارف إيه”
ابتسم ياسين ابتسامة غريبة
وقال
“أنا عرفت الحقيقة بعد ما خرجت إنت”
تجمد الدكتور
“إنت خرجت من هنا”
قال ياسين
“أيوه”
“لكن مش من نفس الطريق اللي خرجت منه”
اقترب محمد
وقال
“يعني إيه”
نظر ياسين إليه
وقال
“المكان ده له أكتر من باب”
ثم أشار إلى الأرض
“والباب اللي دخلتوا منه مش هو الباب الحقيقي”
سأل عبد الرحمن
“أمال إحنا دخلنا منين”
قال ياسين
“دخلتوا من فم الحارس”
ثم أشار إلى التمثال الموجود خلف الباب
“لكن الخروج بيكون من عند عينه”
نظر الجميع إلى التمثال
كانت عيناه الحجريتان ما زالتا تلمعان في الظلام
قال أحمد
“إنت بتتكلم عن تمثال ولا عن إيه”
رد ياسين
“أنا بتكلم عن طريق”
ثم اقترب من الجدار
وضرب بيده على جزء معين منه
صدر صوت أجوف
نظر الدكتور مصطفى إليه
وقال
“لسه زي ما هو”
أجاب ياسين
“هو ما اتغيرش”
ثم نظر إلى محمد
وقال
“ساعدني”
اقترب محمد منه
وبدأ يضغط على الأحجار الموجودة في الجدار
بعد لحظات
تحرك حجر صغير إلى الداخل
ثم سمعوا صوتًا خافتًا
بدأ جزء من الجدار يتحرك
وانفتح ممر ضيق
كان خلفه هواء بارد
قال أحمد
“ده مخرج”
قال ياسين
“أيوه”
نظر الدكتور مصطفى إلى الممر
ثم قال
“أنا ما شفتوش قبل كده”
رد ياسين
“لأنك ما كنتش المفروض تشوفه”
سأله عبد الرحمن
“إنت خرجت منه”
هز ياسين رأسه
“أيوه”
ثم قال
“بعد ما اختفى الباقيين”
ساد الصمت
قال محمد
“يعني إنت عشت هنا”
رد ياسين
“أكتر مما تتخيل”
ثم نظر إلى الدكتور مصطفى
“وأنا فضلت أستنى اليوم اللي ترجع فيه”
سأله الدكتور
“ليه”
قال ياسين
“لأن السر ما كانش مكتمل”
ثم أشار إلى الحجر الذي كان يحمله الدكتور
“والعين ما كانتش لاقية صاحبها”
قال أحمد
“إنت بتتكلم عن إيه”
لكن ياسين لم يرد
بل دخل الممر
وقال
“لو عايزين تعرفوا لازم نخرج الأول”
دخل محمد خلفه
ثم عبد الرحمن
ثم أحمد
وأخيرًا الدكتور مصطفى
كان الممر ضيقًا جدًا
وفي بعض الأماكن كان عليهم أن ينحنوا حتى يستطيعوا المرور
كانت الجدران مليئة بعلامات صغيرة
لكنها لم تكن مثل النقوش التي رأوها من قبل
قال محمد
“الكتابة دي مختلفة”
رد الدكتور
“لأنها مش جزء من المكان”
سأله عبد الرحمن
“أمال إيه”
قال الدكتور
“دي علامات تركها ناس دخلوا هنا بعد بناء المكان”
توقف محمد
وقال
“يعني المكان اتفتح قبل كده”
قال ياسين من الأمام
“أكتر من مرة”
نظر الجميع إلى بعضهم
قال أحمد
“ومين فتحه”
لم يرد ياسين
ظلوا يمشون
حتى بدأ الضوء يظهر أمامهم
خرجوا من الممر
ووجدوا أنفسهم في منطقة صخرية بعيدة عن مقر البعثة
كان الليل ما زال يسيطر على المكان
لكن الهواء في الخارج كان مختلفًا
أخذ أحمد نفسًا طويلًا
وقال
“أخيرًا”
جلس على الأرض
بينما وقف الدكتور مصطفى ينظر إلى الجبل
ثم قال
“إحنا لازم نرجع للمقر”
قال محمد
“ونعمل إيه”
أجاب الدكتور
“نقفل كل حاجة”
قال عبد الرحمن
“ونسيب المكان”
نظر إليه الدكتور
وقال
“لأ”
ثم أضاف
“ندور”
سأله أحمد
“ندور على إيه”
قال الدكتور
“على كل حاجة فاتتني من عشرين سنة”
نظر ياسين إليه
وقال
“خصوصًا المكان اللي ما عرفتش توصله”
سأل محمد
“مكان إيه”
أجاب ياسين
“المكان اللي فيه بداية الخريطة”
—
عاد الأربعة إلى مقر البعثة
كان الوقت قد اقترب من الفجر
جلسوا حول الطاولة
وضع الدكتور مصطفى كل الأوراق والصور التي جمعها خلال السنوات الماضية أمامهم
أما ياسين فجلس بعيدًا عنهم
كان صامتًا
كأنه لا يريد الاقتراب من الأوراق
قال محمد
“إحنا عندنا العلامة”
قال عبد الرحمن
“وعندنا اللوح”
وأشار إلى قطعة الحجر التي وجدوها
ثم قال
“وعندنا الكلام اللي على الباب”
قال أحمد
“بس مفيش مكان واضح”
قال الدكتور
“كان فيه”
ثم فتح ملفًا قديمًا
وأخرج خريطة لمنطقة البر الغربي
قال
“الخريطة دي رسمناها من عشرين سنة”
نظر محمد إليها
كانت عليها علامات حول وادي الملوك والدير البحري ودير المدينة
قال
“دي مش خريطة عادية”
أجاب الدكتور
“لأنها مش مكتملة”
وضع اللوح الحجري بجانب الخريطة
تغير وجه محمد
قال
“استنى”
اقترب أكثر
ثم قلب اللوح
كان خلفه نقش صغير جدًا
قال
“اللوح ده مش قطعة منفصلة”
سأله عبد الرحمن
“يعني إيه”
قال محمد
“ده جزء من خريطة”
وضع الدكتور اللوح فوق الخريطة
وبدأ يطابق العلامات
لم تتطابق في البداية
ثم قلب محمد اللوح مرة أخرى
وغير وضعه
فجأة
تطابقت العلامات
ساد الصمت
ظهر خط حجري صغير يمتد من وادي الملوك
ويمر باتجاه الدير البحري
ثم ينحرف ناحية الجنوب
وينتهي عند نقطة بعيدة عن الطرق المعروفة
قال أحمد
“المكان ده فين”
أخذ الدكتور الخريطة
ونظر إلى الإحداثيات القديمة
ثم قال
“منطقة وادي الملوك”
قال محمد
“لأ”
ثم أشار إلى نهاية الخط
“هنا”
اقترب الدكتور
ثم قال
“دير المدينة”
لكن محمد هز رأسه
وقال
“مش دير المدينة نفسها”
ثم أشار إلى نقطة قريبة
“المكان ده”
سأل عبد الرحمن
“إيه اسمه”
قال الدكتور
“مش واضح”
نظر ياسين إلى الخريطة
وفجأة اقترب
ووضع إصبعه على النقطة
وقال
“ده مش مكان مجهول”
نظر إليه الجميع
“ده وادي الملكات”
ساد الصمت
قال أحمد
“وادي الملكات”
أجاب ياسين
“أيوه”
ثم قال
“لكن العلامة مش على المقابر المعروفة”
وأشار إلى منطقة صخرية أبعد قليلًا
“العلامة هنا”
سأل الدكتور
“إنت متأكد”
قال ياسين
“أنا شوفتها”
قال محمد
“إمتى”
أجاب
“بعد ما خرجت من المكان”
ثم أضاف
“لكن ما قدرتش أوصل لها”
سأله عبد الرحمن
“ليه”
قال
“لأن الطريق كان مقفول”
قال أحمد
“مقفول إزاي”
رد ياسين
“بصخرة”
ثم قال
“لكن الصخرة ما كانتش طبيعية”
نظر الدكتور إلى الخريطة
ثم إلى اللوح
وقال
“يبقى ده المكان”
قال محمد
“وإيه اللي فيه”
أجاب الدكتور
“الجزء اللي ناقص من السر”
—
كان الصباح قد بدأ يظهر
قرر الدكتور مصطفى ألا يخبر أي شخص خارج البعثة بما حدث
قال لهم
“إحنا هنروح وادي الملكات”
سأل أحمد
“دلوقتي”
قال الدكتور
“بعد ما نجهز”
قال محمد
“هنحتاج إيه”
أجاب الدكتور
“معدات تصوير”
“مصابيح”
“أجهزة تحديد المواقع”
“معدات حماية”
ثم نظر إلى ياسين
وقال
“وأنت”
رد ياسين
“أنا هاجي”
قال الدكتور
“إنت عارف الطريق”
أجاب
“أعرف البداية”
ثم قال
“لكن النهاية مش أنا اللي أعرفها”
توقف الجميع
قال عبد الرحمن
“يعني إيه”
نظر ياسين إليه
وقال
“الخريطة دي ما بتوديناش للمكان”
ثم أشار إلى اللوح
“الخريطة دي بتقول لنا إن المكان هو اللي بيدور علينا”
—
بعد ساعات
وصلوا إلى منطقة وادي الملكات
كان المكان هادئًا
والجبال تحيط بالمنطقة من كل جانب
ظهرت أمامهم المقابر المعروفة
لكن ياسين لم يتوقف
واصل السير إلى منطقة صخرية أبعد
قال الدكتور
“إحنا قربنا”
توقف ياسين
ثم نظر حوله
وقال
“هنا”
كان أمامهم جدار صخري طبيعي
لا يوجد فيه أي باب
ولا أي علامة واضحة
قال أحمد
“مفيش حاجة”
اقترب محمد من الجدار
مرر الضوء عليه
ثم قال
“استنى”
كانت هناك أربعة خطوط صغيرة جدًا محفورة في الحجر
نفس العلامة
اقترب الدكتور
وضع اللوح الحجري أمامها
تطابقت الخطوط
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد
بدأ جزء من الجدار يتحرك ببطء
ظهر خلفه تجويف صغير
كان بداخله شيء ملفوف في قماش قديم
اقترب الدكتور
وقال
“إيه ده”
أخرج محمد الشيء بحذر
فك القماش
ظهرت أمامهم بردية ملفوفة بعناية
تجمد الدكتور مصطفى
قال عبد الرحمن
“إنت شفتها قبل كده”
هز الدكتور رأسه
“لأ”
قال محمد
“إزاي”
أجاب الدكتور
“دي أول مرة أشوفها”
ثم نظر إلى ياسين
وقال
“يعني دي ما كانتش موجودة من عشرين سنة”
رد ياسين
“كانت موجودة”
سأله الدكتور
“إنت كنت عارف”
قال ياسين
“لأ”
ثم اقترب من البردية
“لكن المكان كان مستنيكم”
فتح محمد البردية ببطء
كانت الكتابة مختلفة
الرموز دقيقة جدًا
وبعض العلامات كانت مرسومة بالحبر الأسود والأحمر
بدأ محمد يقرأ
ثم قال
“فيه جزء بيتكلم عن أربعة”
سأله عبد الرحمن
“أربعة إيه”
قال
“أربعة يحملون علامة العين”
ثم تابع القراءة
“إذا اجتمع الحجر واللوح والدم”
توقف
نظر إلى الدكتور
ثم أكمل
“ينفتح الطريق إلى بيت العرش”
قال أحمد
“بيت العرش”
أجاب الدكتور
“ده الاسم اللي كانوا بيستخدموه في النص القديم”
ثم قال
“بس فيه سطر تاني”
اقترب أكثر
وبدأ يترجم
“لا تبحث عن البيت حيث دفن الملك”
توقف
ثم أكمل
“ابحث عنه حيث نام حارس الملك”
رفع محمد رأسه
وقال
“يبقى المكان مش مقبرة ملك”
قال الدكتور
“أيوه”
تابع محمد
“وفيه اسم مكان هنا”
اقترب الجميع
كانت هناك مجموعة علامات بجانب رسم يشبه جبلًا
قال محمد
“الترجمة الأقرب”
ثم قرأ
“جبل القرناء”
نظر الدكتور إلى الخريطة
ثم قال
“ده اسم مكان حقيقي”
قال عبد الرحمن
“فين”
أجاب
“قريب من البر الغربي”
ثم نظر إلى البردية
“لكن البردية بتشير لمكان محدد جوه المنطقة”
قال أحمد
“يعني هنروح هناك”
قال الدكتور
“أيوه”
ثم أضاف
“لكن مش دلوقتي”
سأله محمد
“ليه”
قال الدكتور
“لأننا لازم نفهم باقي البردية الأول”
بدأ محمد يقرأ بقية النص
وفجأة توقف
لم يتكلم
قال عبد الرحمن
“فيه إيه”
رفع محمد عينيه
وقال
“فيه اسم”
سأله الدكتور
“اسم مين”
أشار محمد إلى سطر صغير في آخر البردية
وقال
“ياسين”
تغير وجه الدكتور
نظر إلى ياسين
لكن ياسين لم يتفاجأ
بل قال بهدوء
“كنت مستني اليوم ده”
سأله الدكتور
“إنت كنت عارف إن اسمك موجود”
قال ياسين
“أيوه”
قال محمد
“إزاي”
رد ياسين
“لأن اللي كتب البردية كان عارف إني هخرج”
سأل عبد الرحمن
“مين كتبها”
ظل ياسين صامتًا
ثم قال
“واحد من اللي اختفوا”
قال أحمد
“مين”
رفع ياسين عينيه نحو الجبل
وقال
“فارس”
ثم ساد الصمت
لأن فارس كان أول شخص اختفى قبل عشرين سنة
والبردية التي تحمل اسمه كانت تبدو وكأنها كُتبت بعد اختفائه بسنوات
انتظر الجزء القادم
![]()
