الكاتب: أنور الهاملي
جالس على كرسيه يكتب حين يحلّ النهار، فيخلع ثوبه، ويلبسه من يحمل السواد الهادئ، والأفكار المكتظة، والأسئلة التي لا جواب لها. هنا يبدأ الجحيم.
وأردف كتابته:
“أخذوا حقوقي، وانتهكوا مقدساتي، ودنّسوا كرامتي، وعوّضوني بأعذار واهية ومبررات لا قيمة لها. رغم هشاشة ما ماتوا به، إلا أنني صدّقت، ليس لأني اقتنعت، بل لأني تعبت من حرب الذين لا يفهمون. في صفّ الذين لا يفهمون يتقاتلون، وكلهم لا يفهمون من الذي يقف خلفهم، والذين يفهمون اللعبة ليس لديهم أوجه لمواجهة العالم الذي يعيش فيه الأتباع.”
وأكمل ليلته بين صفحات بيضاء نقية، يدنّسها بحبره الأسود وأفكاره السوداوية، وينتقل من موضوع إلى آخر، ومن سيجارة إلى التي تليها، ولحاف مهترئ نسجته شركات محلية يعتلي ظهره، وقهوة لها نكهة بطعم الحياة التي يعيشها.
وعند الصباح، كأنه لم يسهر طوال الليل يفسّر الحق من الباطل، ليحمل سلاحه ويتجه إلى المعركة مع أول وسيلة تنقله إلى مكان الموت؛ المكان الذي يموت فيه الناس بالكميات، وليس لديهم فيه هدف، ولكن لأجل راتب طويل الأمد ومنظومة دون مشاكل، ولإخفاء أفعاله تحت شعار الدولة.
ولكن عند موته، تسمع الكل يمدحونه، وأنه كان شريفًا ويعشق الموت، وفي سبيل هذا الدين وذاك الوطن. حاشا، ليس هناك من يحب الموت، حتى أهل المنابر، ويقولون إنه لا يهمه مال، ولكن المال مبتغاه وهدفه.
وعندما وصل، لم يُلقِ التحية؛ لأنه لا يهمه السلام ولا الحرب ولا البلاد التي يعيش فيها، وفيه ما يكفيه من الضيقة والقتال ذاته لذاته، وإن أسئلة الليل، رغم هدوئها، إلا أن الضجيج ما زال موجودًا خلف وجهه البشوش.
تحرك إلى مكانه المخصص، وأخرج كتابه، وشرع يلتهم صفحة تلو أخرى، ودخانًا لا يفارق سماء الغرفة.
لينزل صديقه من موقعه بعد إنهاء الخدمة، وقد لاحظ أفكاره السوداوية على وجه صديقه القادم من جحيم الوعي.
وعندما أتى، فقد كان يستهلك الدخان قبل أن تستهلكه.
جلس بجانبه، لم يعاتبه ولم يحاول أن يوقفه، أخذ بعضًا من سجائره وقال:
“اذهب، فهنا ليس للأفكار الصحيحة ولا لمستقبل أفضل، وإنما للندم. فإذا أردت أن تكون نافعًا، فعليك بالرحيل إلى دولة تكون فيها أنت. فعليك بالرحيل إلى دولة تُكتب فيها قوانين تُنفّذ على الجميع، وشعاراتها يحافظ عليها المسؤول قبل المواطن، وعلم يرمز وله كرامته، وليس له يومًا في السنة.”
هو: “ولكن هذا عار، أن أذهب وأترك الحرب تأكل بلدي.”
صديقه: “لا، ليس عارًا أن تعيش، وليس عارًا أن تحصل على حقوقك، وليس عارًا أن يكون لدمك ثمن. اذهب وعش أنت، ولنمُت نحن كي تخلد أفكارنا الباطلة في صفحات كتابك.”
![]()
